FINANCIAL TIMES

استفتاء كتالونيا يضع وحدة إسبانيا على المحك

نشأ أنتوني كاستيلا بالقرب من سجن موديلو في برشلونة في السبعينيات، ويقول إنه لا يزال يمكنه تذكر سماع أصوات المواطنين الكاتالونيين، الذين كانوا محتجزين كسجناء سياسيين من قبل نظام فرانسيسكو فرانكو، الدكتاتور الذي قمع استخدام اللغة الكاتالونية والحكم الذاتي لأهل الإقليم والثقافة الكتالونية.
بالنسبة لكاستيلا، الذي هو الآن عضو في البرلمان الإقليمي لكتالونيا الذي يمثل حزب الديموقراطيين، يعتبر استفتاء الاستقلال الذي جرى في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فرصة للشعب الكاتالوني للتخلص أخيرا من الدولة الإسبانية بعد عقود ما يعتبره سوء معاملة يعود تاريخها إلى القرن الـ 18.
الاقتراع في يوم الأحد الماضي، يعود جزئيا الفضل فيه إلى أمثال كاستيلا، ويستعد الشعب الكاتالوني للإجابة على سؤال حول ما إذا كانوا يريدون الاستقلال.
إذا بلغت الأصوات التي تقبل الاستقلال أكثر من 50 في المائة، يقول البرلمان إنه سيعلن الاستقلال في غضون 48 ساعة - بغض النظر عن الإقبال على الانتخابات.
يقول كاستيلا: "مات كثير من الناس على مدى السنين وهم يدافعون عن كتالونيا ... وهذا الاستفتاء لهم ولمستقبلهم". على أن هنالك عقبة لا يزال يلزم التغلب عليها: دولة إسبانيا بأكملها.
تقول المحاكم الإسبانية والحكومة المركزية إن الاستفتاء غير شرعي. ويقول دستور عام 1978 إن إسبانيا غير قابلة للتجزئة. نتيجة لذلك، يعمل منظمو هذه الانتخابات، التي تشمل كثيرا من الحكومة الكاتالونية المنتخبة، مخالفة للقانون. وقد تم بالفعل اعتقال ما يزيد على عشرة من المسؤولين الرسميين.
عمل هذا الاشتباك بين المتمردين أمثال كاستيلا ومدريد على التسبب في أعظم أزمة سياسية ودستورية في إسبانيا منذ محاولة الانقلاب العسكري في عام 1981.
هنالك فرصة بأن كتالونيا ستعلن من جانب واحد استقلالها وستبدأ في محاولة جمع ضرائب خاصة بها - في الواقع، محاولة تشكيل دولة مستقلة في خطاب الكاتالونيين ومتمردة في خطاب إسبانيا.
هذا التصويت هو أيضا تحد غير مسبوق لحكومة يمين الوسط برئاسة ماريانو راخوي. لقد جازف رئيس الوزراء بسمعته في مسعاه لإيقاف الاستفتاء، ويحتاج لأن يثبت لبقية أجزاء إسبانيا أن الشعب الكاتالوني لا يمكنه الاستخفاف بسيادة القانون.
في الوقت نفسه، يتعين عليه تجنب استخدام مزيد من القوة الذي ربما يعمل على تأجيج المشاعر المؤيدة للاستقلال، بالصورة نفسها المستخدمة في يوم الاقتراع.
كما تجري مراقبة هذه القضية من كثب في كل أنحاء أوروبا وفي أروقة الاتحاد الأوروبي. النتيجة بقبول الاستقلال يمكن أن تشجع مجموعات انفصالية أخرى كتلك الموجودة في اسكتلندا أو فلاندرز في بلجيكا، بل وفي إقليم الباسك في شمال غربي إسبانيا نفسها.
كانت كتالونيا جزءا من الدولة الإسبانية لقرون، مع ذلك يعتبر كثير من أفراد الشعب الكاتالوني أنفسهم دولة منفصلة. وغالبا ما شنوا حملات - وفازوا أحيانا - من أجل الحصول على مزيد من الحكم الذاتي في قضايا مثل التعليم وكتابة اللغة الكاتالونية.
على أن دعم الاستقلال التام كان منذ عقود رأيا هامشيا، مع دعم شعبي راوحت نسبته بين 15 إلى 20 في المائة. وكان ذلك حتى حصول الأزمة المالية المؤلمة في إسبانيا، عندما أصبح الغضب من النخب موجها نحو مدريد. وصل دعم الحصول على الاستقلال ذروته بنسبة 49 في المائة في عام 2013، وفقا للمركز الكاتالوني لدراسات الرأي.
منذ ذلك الحين، انخفض الدعم المقدم لنيل الاستقلال إلى 41 في المائة، لكن الدعم كان كبيرا بما يكفي لأن تنتخب كتالونيا العام الماضي حكومة ائتلافية مكونة من أحزاب موالية للانفصاليين، وعدت بتحقيق الاستقلال. قبل شهر، أقرت قانونا لعقد استفتاء ملزم، ما يضعها في مسار تصادمي مع مدريد.

«نحن لدينا أعداد كبيرة»
حول ميناء برشلونة التجاري المزدحم، تجري التحضيرات منذ فترة. كانت الحكومة الكاتالونية تكثف من عدد موظفيها في سلطتها الضريبية المجددة حديثا، التي تأمل في أن تبدأ في جمع الضرائب التي كانت في الماضي تذهب إلى مدريد.
توجد باخرتان من البواخر التجارية في الميناء - رابسودي وموبي دادا- المستأجرتان من قبل الدولة الإسبانية لإيواء بعض ضباط الشرطة الإضافيين الذين تراوح أعدادهم ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف شرطي، جرى إرسالهم إلى برشلونة بهدف عرقلة الاستفتاء.
تحاول الحكومة المركزية منذ فترة تأكيد ذاتها. فقد اقتحمت الشرطة المسلحة، التي تعمل وفق أوامر المحكمة، سلسلة من المكاتب التابعة للحكومة الكاتالونية في الأسبوع الماضي في مداهمات تمت في الصباح الباكر، وأجرت أكثر من عشرة اعتقالات.
وقد فرضت المحاكم غرامات وصادرت ملايين من بطاقات الاقتراع، في الوقت الذي زادت فيه الدولة من سيطرتها على الموارد المالية الكاتالونية.
على الرغم من أن القانون يقف إلى صف مدريد إضافة إلى الموارد الخاصة بالدولة بأكملها، لن يكون من السهل إيقاف التصويت.
لقد قال ثلثا رؤساء البلديات في كتالونيا البالغ عددهم 984 إنهم سيقدمون الدعم لإجراء التصويت، جنبا إلى جنب مع أغلبية المشرعين في كتالونيا ومئات من موظفي القطاع العام.
هذا يعرض إسبانيا لمأزق، لأن الحكومة المركزية لا يمكنها اعتقال الجميع - أو على الأقل هذا ما يراهن عليه الانفصاليون.
يقول كارليس إيسكولا، عمدة سيردانيولا دلا فاليس، الذي يبلغ من العمر 39 عاما، خارج برشلونة: "أنا لست خائفا من الاعتقال، فنحن لدينا أعداد كبيرة تدعمنا".
بالمثل، يأمل المنظمون ألا تكون الشرطة قادرة على إغلاق أكشاك الاقتراع.
تقول نيوس لوفيراس، عمدة بلدة فيلانوفا آي لا جيلترو المؤيدة للاستقلال، إنه لا يمكن منع رغبة الملايين بإجراء عمل بسيط كالاقتراع: "هل سينقلب رجال الشرطة العاملة نهارا ضد المواطنين؟"
كما تضيف: "لم يعد مهما رأي مدريد فيما يحدث، لأننا نعمل وفق قانون كتالونيا هنا".
قالت الدولة الإسبانية إنها ستقوم بالتنسيق المباشر لجميع عمليات الشرطة في كتالونيا، وسط مخاوف بأن قوة الشرطة المحلية الكاتالونية متعاطفة جدا مع الاستقلال. مع ذلك، تم رفض المقترح في عطلة نهاية الأسبوع من قبل الحكومة الكاتالونية.
الشرطة الكاتالونية قوة محلية شبه مستقلة، على الرغم من أن كثيرا من تمويلها مصدره مدريد.
في الوقت الذي ضبطت فيه الشرطة كميات كبيرة من المواد الانتخابية، تقول حكومة كتالونيا إن لديها خطط طوارئ مناسبة. كما يحاول النشطاء في كتالونيا أيضا حشد قوة الشعب.
نحو 40 ألف شخص خرجوا إلى شوارع برشلونة الأسبوع الماضي للاحتجاج على تلك المداهمات من قبل الشرطة الإسبانية والحرس المدني.
قالت آنا جراسيا، 21 سنة، وهي من المحتجين وترتدي علم كتالونيا، لصحيفة فاينانشيال تايمز الأسبوع الماضي: "لن نتراجع مرة أخرى أبدا".
باختصار، يقول كل جانب من الجانبين إن لديه القوة لفرض إرادته على الطرف الآخر. كما يمتلك الطرفان أيضا حكومات أقلية غير مستقرة، ما يعني أن كلا منهما لا يمكنه تحمل خسارة هذه الجولة.
صرح رئيس كتالونيا كارليس بيجديمونت لصحيفة فاينانشيال تايمز في أواخر الشهر الماضي أنه مستعد لدخول السجن مقابل إتمام عملية التصويت.
في الوقت نفسه، جازف راخوي بسمعته مقابل إنفاذ سيادة القانون. وهو يقول إن إجراء الاستفتاء "أمر مستحيل" وهدد بإحداث "عواقب وخيمة" أكبر للذين ساعدوا في إجراء التصويت.
قدم كل من الحزب الاشتراكي المعارض وحزب كايدادانوس المحافظ في إسبانيا حتى الآن دعما واسعا لراخوي في المسألة الكاتالونية، قائلين إنه يجب على الانفصاليين التخلي عن خططهم المتعلقة بإجراء استفتاء الاستقلال واحترام القانون الإسباني.
كما يعتقدون أنه سيفوز بعدد قليل من الأصوات في بقية أنحاء إسبانيا، من خلال عدم وقوفها إلى جانب الشعب الكاتالوني المؤيد للاستقلال في هذه المسألة.
يقول أوريول بارلوميوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برشلونة المستقلة: "لن يتراجع أي من الطرفين عن موقفه. الخطوة التالية قد تكون حدوث اشتباكات في الشوارع، واحتجاز للحكومة الكاتالونية .... هناك احتمال كبير بأن تنفجر كتالونيا."

بعد التصويت
خوض معركة كتالونيا يوم الأحد الماضي كان مبدئيا حول الأعداد. تتطلع مدريد لمنع أكبر قدر ممكن من التصويت، وربما سيركز الجدل في فترة ما بعد الانتخابات على عدد الأصوات التي تم الإدلاء بها، ونسبة الامتناع عن التصويت ومستوى الأصوات التي صوتت بالقبول.
مهما كانت النتيجة، ستعلن الحكومة الإسبانية أن التصويت غير شرعي وغير قانوني. إن كان هنالك أغلبية صوتت بالقبول، يكاد يكون من المؤكد أن تعلن الحكومة الكاتالونية تحقيقها النصر.
أما المسألة الأكبر، وفقا للمحللين، فهي تتعلق بمدى العنف الذي سيحدث بعد تصويت يوم الأحد الماضي، وما سيحدث لاحقا.
يعتبر المستثمرون أن الخطر المترتب على التحرك الفوري نحو استقلال كتالونيا هو لا شيء.
الاستفتاء غير شرعي بموجب القانون الإسباني، وأوضحت كل من بروكسل والعواصم الأوروبية الأخرى أنه سيتم الاعتراف به فحسب، في حال كان الانفصال ضمن القانون.
يعترف بعض أفراد الشعب الكاتالوني المؤيد للاستقلال أن الاستقلال - على الأقل على المدى القصير - ليس أمرا محتملا.
يرى كثير من المتشددين أن هنالك لعبة أطول زمنا، معبرين عن أملهم بأن التكتيكات القاسية التي اتخذتها الشرطة الإسبانية يوم الأحد الماضي قد عززت قضية الانفصاليين، ما يجعلهم يبدون وكأنهم ضحايا لحكومة مدريد المتعجرفة التي ترغب في التلاعب بحقهم الديموقراطي في الاختيار.
يقول بارتوميوس: "يريد كثير من أفراد حركة الاستقلال أن يتم احتجازهم من قبل الحكومة، للمساعدة في تعزيز قضيتهم".
المسألة الثانية هي ما سيحدث لاحقا. إذا أعلن بيجديمونت فعليا الاستقلال عقب التصويت، سيكون هناك خياران أمام راخوي. قد يتصرف كما فعلت الحكومة الإيطالية في عام 1996 عندما أعلن أمبيرتو بوسي استقلال بادانيا في شمالي إيطاليا- وأن يتجاهل ذلك بكل بساطة.
يقول معظم المحللين إن هذا لن يكون أمرا ممكنا من الناحية السياسية في ظل المناخ الحالي في مدريد، ما يعني أن راخوي يمكن أن يشعر بأنه مضطر لاستخدام أحد خياراته العديدة التي تسمى بالخيارات النووية والمتاحة أمام الحكومة الإسبانية، بما في ذلك تفعيل المادة 155 من دستور عام 1978 بتعليق الحكم الذاتي الكاتالوني، أو اعتقال كبار الشخصيات في الحكومة.
إذا لم يتخذ أي إجراء، فإنه يخاطر بأن يظهر بمظهر الضعيف. في المقابل، يقول المحللون إنه إذا مضى قدما فإنه يخاطر بتعكير العلاقات بين كتالونيا وإسبانيا، وأن يعزز ذلك التأييد للانفصاليين، وهو ما ينطوي على إمكانية حتى دفع التأييد طويل الأمد إلى ما هو فوق نسبة 50 في المائة.
يقول لويس أوريولس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كارلوس الثالث في مدريد: "راخوي هو في موقف شبه مستحيل. عليه أن يتمسك بسيادة القانون، لكن هذا يخاطر بإثارة غضب الانفصاليين أكثر من قبل في كتالونيا، ويزيد في عدد المشاكل على الأمد الطويل".
يقول المحللون إنه يوجد مسار واحد في المرحلة القادمة لرأب الصدع في العلاقات بين كتالونيا وإسبانيا. هذا ما يعرف باسم "الطريق الثالث" للمحادثات بخصوص صفقة جديدة يمكن أن تعطي المنطقة مزيدا من الصلاحيات والاستقلال الذاتي.
في عام 2006 تم التوصل إلى اتفاق عام – قانون الاستقلال الذاتي لكتالونيا – من قبل البرلمانين، من أجل منح سلطات جديدة لكتالونيا، لكن الذي حدث هو أن المحكمة الدستورية الإسبانية أبطلت القانون في عام 2010.
وفي عام 2012 طلب الرئيس الكاتالوني إجراء مباحثات مع مدريد حول مزيد من الاستقلال المالي، لكن طلبه قوبل بالرفض.
لويس دو جويندوس، وزير المالية الإسباني، مد غصن الزيتون إلى كتالونيا في مقابلة مع صحيفة فاينانشيال تايمز في الأسبوع الماضي، قائلا إنه حين يتم "التخلي" عن خطط الاستقلال، عندها "سيكون بالإمكان إجراء محادثات حول عملية إصلاح لنظام التمويل وقضايا أخرى".
وقال إن الحكومة هي اليوم أكثر انفتاحا بالنسبة للمطالب التي قُدِّمت في عام 2012 بخصوص التمويل. كذلك طالبت أحزاب سياسية أخرى في إسبانيا منذ ذلك الحين بإجراء حوار مع كتالونيا بمجرد التخلي عن خطط الاستقلال التام.
المحادثات التي من هذا القبيل تتطلب جوا سياسيا مختلفا في برشلونة، وربما حكومة كاتالونية جديدة.
يقول بابلو سيمون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كارلوس الثالث: "إذا قرر راخوي اعتقال كبار السياسيين أو استخدم المادة 155، فإن هذا سيكون صدمة كبيرة، ومن الصعب أن نرى المعتدلين يعودون إلى السلطة في كتالونيا. إمكانية المحادثات بين برشلونة ومدريد تبدو بعيدة تماما، الآن".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES