الاقتصاد والتنمية بين الرياض وموسكو

|

تدعم زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لروسيا تلقائيا العلاقات الاقتصادية المشتركة بين الرياض وموسكو. هذه العلاقات تعززت في الآونة الأخيرة من عدة زوايا، تتصدر "رؤية المملكة 2030" أهمها، نظرا لما تطرحه هذه "الرؤية" من فرص ومساحات استثمارية عالية الجودة، خصوصا أنها تختص ببناء اقتصاد سعودي وطني جديد. وهذا يعني أنها تشمل كل شيء يدعم التنمية المستدامة ومواجهة استحقاقات المستقبل. وروسيا (كما بقية بلدان العالم) أبدت رغبة شديدة في أن تكون لها حصة في ورشة التنمية هذه، منطلقة من أنها هي نفسها، تسعى إلى تعزيز حراكها الاقتصادي من خلال الاستثمار والتنمية أيضا. كما أن "الرؤية" توفر مغريات كثيرة لمن يرغب في أن يكون له دور في عملية تنفيذها، وكلها مغريات مضمونة النتائج.
المشاريع المشتركة كثيرة، وتشمل قطاعات متعددة ومتنوعة. وهي مشاريع تصب في مصلحة الطرفين من ناحية الجدوى الحقيقية لها، ومن جهة دعم التنمية والبناء في كلا البلدين. وأسهمت السمعة الاقتصادية السعودية العالمية كثيرا في هذا المجال، ما جعل حراك التبادل الاستثماري (إن جاز القول) متصاعدا حتى في عز التراجع الهائل لأسعار النفط. وكل ذلك اتضح من خلال تحديد الرياض وموسكو مشاريع مشتركة تصل قيمتها المبدئية إلى عشرة مليارات دولار. في معظم المجالات الحيوية، ليس النفط بينها، بما في ذلك قطاعات النقل والمواصلات والصناعة والأدوية وغيرها.
النقطة الثانية التي قربت الرياض وموسكو، أن العاصمتين عملتا بجهد واسع على صعيد إبقاء أسعار النفط في الأسواق العالمية مستقرة، ومنعها من الهبوط، في أعقاب الهبوط الكبير الذي تعرضت له قبل ثلاث سنوات تقريبا. بل قاومتا معا محاولات بعض الدول التحايل على اتفاق خفض الإنتاج. ولهذا التعاون الدور الأول الأهم في الحفاظ على توازن هذه السوق. وهناك نشاط كبير بين السعودية وروسيا في مجال الطاقة، وهذا القطاع كما هو معروف يعتبر محوريا بالنسبة للطرفين، وشهدت الفترة الماضية اتصالات ومشاورات عالية المستوى بهذا الاتجاه، إلى جانب تلك التي تختص بالقطاعات الأخرى أيضا. وكان طبيعيا، مثلا، عزم السعودية وروسيا تأسيس صندوق جديد للاستثمار في الطاقة بقيمة تصل إلى مليار دولار قابلة للارتفاع بالطبع، وفق المعطيات على الأرض. يضاف إلى ذلك، أن روسيا تعرض مشروعات استثمارية كبيرة أيضا، وأبدت المؤسسات السعودية اهتماما بذلك في غير مناسبة، بما في ذلك تبادل الزيارات الخاصة بالجانب الاقتصادي بين الطرفين. ولعل من بين أكبر المشروعات التي تعتزم السعودية دخولها في روسيا، هي تلك المتعلقة بالبنى التحتية، حيث قررت الاستثمار في الطرق السريعة الخاضعة للرسوم. وهذا النوع من الطرق يشهد نموا وعوائد مرتفعة في غالبية بلدان العالم.
يعني هذا أن زيارة خادم الحرمين الشريفين لموسكو ستوفر مخرجات مهمة، لأنه سبقها سيل من المشاورات واستعراض الإمكانات الاستثمارية والتنموية بين الطرفين. فالمملكة التي توفر الفرص في محيطها الداخلي لمن يرغب أن تكون له حصة استثمارية تصب في عملية التنمية الشاملة، تقوم أيضا بانتهاز الفرص الجيدة المتوافرة خارجها. ولذلك فإنها تبحث عن استثمارات ذات قيمة عالية تدعم التحول الاقتصادي الكبير فيها، وتتناغم مع آليات وغايات "رؤية المملكة 2030".
لا شك في أن تدعيم العلاقات الاقتصادية بين هذين البلدين المحوريين على الساحة العالمية، سيسهم أيضا في تذليل أي عقبات تعترض العلاقات الشاملة بينهما. خصوصا مع سياسة السعودية الواضحة على كل الأصعدة. ستكون هناك مرحلة جديدة بعد زيارة الملك سلمان لموسكو بين الطرفين، وهي مرحلة تختص أيضا في جانب منها بالحراك الدولي. فكلا البلدين يتشاركان في مجموعة العشرين التي أخذت زمام المبادرة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. وكل إنجاز يتحقق بين أي طرفين في هذه المجموعة، هو إنجاز يصب في المصلحة العالمية ككل. هناك كثير من المجالات التي ستشهد تحولا كبيرا على الساحة الاقتصادية في أعقاب الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين. وهو تحول يحتاج إليه العالم في هذا الوقت بالذات، ناهيك عن التفاهمات الرئيسة التي ستخرج من هذه القمة حول قضايا مستعصية ومتفاعلة هناك وهناك.

إنشرها