جهالة المتعلم

|

هل من علاقة بين العلم وسلوك الفرد؟ سؤال جدير بالبحث عن إجابة لأن ما يشاهد من سلوكيات، وتصرفات في ميادين العمل، أو في الحياة يوحي، بل يؤكد أن خللا يوجد فيما يمكن اعتباره علاقة طردية بلغة الإحصاء بين سلوك وتصرفات الفرد، ومستوى تعليمه، فالمسلمة أو البدهية المتأصلة في أذهان الناس أنه كلما ارتقى مستوى تعليم الفرد توقع الناس منه سلوكا متحضرا راقيا يلمسه الآخرون حين يتعاملون معه، إلا أن هذه القاعدة قد لا تكون صحيحة على إطلاقها، إذ قد يكون العكس هو الصحيح عند بعض الأفراد.
ترى لماذا هذا التباين بين سلوك الفرد ومستوى تعليمه؟ السبب في ظني لا يعود إلى مستوى تعليم الفرد بقدر ما يعود إلى نوع التعليم الذي اكتسبه الفرد، الذي قد يكون معرفة صرفة لا تشوبها تربية على القيم، والمبادئ، والاتجاهات المتزنة، والميول السليمة، غير الشاذة، تعلم يقتصر على المعرفة لا يرتقي بالفرد إلى مستوى اكتساب القيم التي تظهر على سلوكه، وتصرفاته، فكم من حافظ لمتون ونصوص دينية أو نصوص شعرية تعد بالمجلدات، لكنه لم يستفد مما ورد في هذه النصوص لتهذيب سلوكه، وتعامله مع الآخرين، فتجده يتعامل بسوء خلق، رغم أنه يعلم، ويقرأ أن الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ويحفظ حديث "إن من أقرب الناس إلي يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا".
وحسبي بأمثال هؤلاء أنه ينطبق عليهم الوصف القرآني، حيث يحمل الحمار الكتب، والمجلدات، لكنه لا يفقه المعاني الجليلة، والقيم التي تحتويها، ولذا لا أثر للكتب فيه، فتجده ينهق، رغم أن في الكتب التي يحملها على ظهره ذم صوت الحمير، وهذا ما يشاهد عند حديث البعض، فتجده يخاصم، ويجادل، بطريقة فجة، بلا منطق، ويستند إلى اللجلجة لا أكثر ولا أقل.
الانخراط في السلك التعليمي، واجتياز المراحل الدراسية، والحصول على أعلى الدرجات العلمية لا يعني بالضرورة التعلم الصحيح، فالبعض يحمل أعلى الدرجات كشهادة الدكتوراه، ومع ذلك تدرك شواهد القصور واضحة عليه، حتى أن القصور يصل إلى حد الجهالة، وهذا لا يعني توقع إلمام المتخصص في مجال ما بمعارف، ونظريات، وقوانين ما ليس في تخصصه، إلا أن السمة، والانضباط، واحترام الأنظمة، وإنزال الناس منازلهم التي يستحقونها، والعدل، والموضوعية في الأحكام يفترض توافرها في صاحب التعليم العالي مهما كان مجال تخصصه، لسعة المعلومات التي ألم بها، وتنوع المواقف، والخبرات.
أعرف من ذوي الحظوظ البسيطة من يفوق في رجاحة عقله، ونضجه، وكريم أخلاقه، وعدله، وموضوعيته من حاز أعلى الدرجات، وهذا يعود لأثر التربية، وليس إلى مقدار المعرفة التي نالها الفرد، على أن هذا ليس تقليلا من شأن المعرفة حفظا للنصوص، وفهما لها، إذ إن بعض الواجبات والمهمات لا ينجز بالشكل الصحيح إلا بنص، فالصلاة لا تتم إلا بقراءة القرآن، وإحياء أمسية شعرية لا يتم إلا بإلقاء قصائد محفوظة، أو مقروءة، كما أن مناشط أخرى لا تتحقق إلا بمهارات من نوع خاص، كما في بعض الرياضات، فلا يكفي أن يحفظ الفرد تعليمات مزاولة لعبة ما، بل لابد من التدريب والتمرين عليها، حتى يجيدها، وبذا يتضح الفرق بين المعرفة المجردة، وتوظيف المعرفة لإحداث التغيير عند المتعلم.
جهل المتعلم له أسباب عدة منها ما قد يكون نقصا في إعداده السابق، ما يجعل آثار نقص الأعداد تظهر في المواقف التي يمر بها كمحاضرة، أو جلسة عصف ذهني، كما أن الغرور الذي يصيب البعض يمثل أحد الأسباب، فمجرد قراءته بضعة كتب، أو حصوله على درجة علمية يركبه الغرور، ويعتقد أنه بلغ العلم، ولذا يقال من ظن أنه علم فقد جهل، حتى أنه يتحدث، ويفتي فيما يعلم، وما لا يعلم، وليس له حدود يلتزم بها، حتى ليظن السامع له أنه موسوعة عصره، ويتناسى مقولة من قال لا أدري فقد أفتى.
من أبشع ما رأيت، وخبرت من جهالة المتعلم الحديث الكثير، والتنظير دون تطبيق، والتغني بالمثاليات، وما أكثر هؤلاء، فرسان المجالس، حيث يذمون الفساد والنفاق والتملق، واستغلال المنصب للمصالح الشخصية، مع الإصرار على مخالفة الأنظمة، ومع كل هذه المثاليات تجدهم أول من يضعون النظام على الرف، إن لم يدوسوه بأحذيتهم، مع ما يحمله هذا التصرف من إساءة لهم لكنهم لا يعبأون بذلك.
آثرت أن أخصص هذا المقال لهذا الموضوع، وتأجيل موضوع سبق أن قرأت بشأنه، نظرا لما ظهر على الساحة الإعلامية من تنابز، ومعايرة مشينة، وألفاظ لا تليق بأهلها، أو ببعضهم، ليس انتصارا لهم بذواتهم، بقدر ما هو انتصار للمجال الذي يخدمونه، ويعملون فيه، ولوطن يستحق منا تمثيله على أحسن وجه، ما أساء وكشف جهالة المتعلم حين يفتقد روادع ومحددات القيم.

إنشرها