لغتنا الجميلة .. والمحتوى المعلوماتي على الإنترنت

|

تقول دراسة صادرة، عام 2008، عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" إن عدد لغات العالم يبلغ نحو سبعة آلاف لغة، لكنها لغات مختلفة في عدد أبنائها وإمكاناتها وحجم استخدامها ومدى تأثيرها. وهناك دراسة أخرى صادرة، عام 2016، عن "المنتدى الاقتصادي الدولي" تحدد اللغات العشر الأقوى في العالم، وذلك على أساس مجموعة من المتغيرات تتضمن عدد أبناء اللغة، أي عدد من ينتمون إليها كلغة أم؛ ومساحة الانتشار الجغرافي للغة؛ ومدى استخدامها في التواصل؛ وفي الشراكة الاقتصادية؛ وفي العلاقات الدولية؛ ثم في مدى توافرها على الوسائط المعرفية كالإنترنت والوسائط الإلكترونية المختلفة الأخرى.
قامت دراسة المنتدى الاقتصادي الدولي بتصنيف لغات العالم الرئيسة تبعا للمتغيرات سابقة الذكر، وتبعا للحصيلة العامة لمجموع هذه المتغيرات. وتوصلت إلى أن اللغات العشر الأولى في العالم على أساس الحصيلة العامة هي كالتالي على الترتيب: الإنجليزية؛ ثم الصينية "ماندرين"؛ فالفرنسية؛ والإسبانية؛ والعربية؛ والروسية؛ والألمانية؛ واليابانية؛ والبرتغالية؛ والهندية. ويمثل عدد أبناء اللغات العشر هذه، من عدد سكان العالم، نحو 42 في المائة، ويتوزع باقي السكان على اللغات العديدة الأخرى.
لغتنا الجميلة جاءت في المركز الخامس على مستوى العالم في الحصيلة العامة لمتغيرات الدراسة. ولعله من المفيد أن نطرح مركزها تبعا لكل من المتغيرات كي تكون صورة مكانتها أكثر وضوحا. في عدد أبناء اللغة، تأتي العربية في المركز الخامس، كما هو مركزها في الحصيلة، وفي الانتشار الجغرافي، تأتي في المركز الرابع؛ وفي استخدامها في التواصل تأتي في المركز السادس؛ وفي الشراكة الاقتصادية تأتي في التاسع؛ وفي العلاقات الدولية تأتي في الرابع. أما في موضوع توافرها عبر الوسائط المعرفية فتأتي في المركز الـ 18. وفي هذا الأمر دلالة على تراجع مكانتها في هذا المتغير، مقارنة بالمتغيرات الأخرى، لكن هناك معطيات أخرى في هذا المجال، نطرحها في الآتي:
هناك إحصائيات عالمية حول لغات العالم والإنترنت تجريها وتحدثها باستمرار مؤسسة الإحصائيات العالمية للإنترنت IWS. تقول هذه الإحصائيات: إن اللغة العربية تحتل المركز الرابع، بعد الإنجليزية والصينية والإسبانية، من حيث عدد المستخدمين الذين ينتمون إليها، بل إن نسبة نمو عدد هؤلاء كانت الأعلى بين جميع لغات العالم الأخرى خلال الفترة 2000-2017، حيث وصلت هذه النسبة إلى نحو 68 مرة. ولعله لا بد هنا من ملاحظة أن مستخدم الإنترنت العربي لا يستخدمها بالضرورة بلغته الأم، كما لا يقدم بالضرورة أي إضافة إلى المحتوى العربي على الإنترنت. لذلك نجد أنه على الرغم من إقبال أبناء العربية على استخدام الإنترنت، إلا أن اللغة العربية تأتي في المركز الـ 16 بين دول العالم في حجم المحتوى المعلوماتي لمواقع الإنترنت في العالم، وهو مركز قريب من المركز الـ 18 الذي وضعتها فيه دراسة متغير وجودها في جميع الوسائط المعرفية سابقة الذكر، التي تشمل الإنترنت.
يبلغ حجم المحتوى المعلوماتي العربي لمواقع الإنترنت في العالم، تبعا لمؤسسة الإحصائيات العالمية للإنترنت IWS، نحو 0.7 في المائة، أي سبعة في العشرة من المحتوى المعلوماتي الكلي. والملاحظ هنا أن الحجم المعلوماتي للغة الإنجليزية، في مواقع الإنترنت، يزيد على الحجم المعلوماتي لجميع لغات العالم الأخرى في هذه المواقع، حيث يصل إلى 51.3 في المائة من الحجم المعلوماتي الكلي. وعلى ذلك فإن جميع لغات العالم، وبينها العربية بالطبع، مقصرة، في مجال تعزيز محتواها المعلوماتي، وكأنها بذلك تفتح أبوابها أمام غزو اللغة الإنجليزية للغاتها، وبالتالي ثقافاتها. يضاف إلى ذلك أن العربية تبدو مقصرة، على الرغم من أنها قادرة، لأنها تأتي في المركز الرابع في عدد مستخدميها، لكنها في المركز الـ 16 في حجم المحتوى ضمن مواقع الإنترنت.
ولعلنا نتوقف هنا عند مسألة مهمة هي مسألة التمييز بين الغث والسمين في المحتوى المعلوماتي للإنترنت. نحن بالطبع نريد محتوى معلوماتيا عربيا مفيدا على الإنترنت، ونريد لهذا المحتوى أن يتمتع بالحجم والمضمون الذي يتناسب مع مكانة لغتنا الجميلة. ولعل وصف لغتنا بـ "الجميلة" ليس كافيا، لأنها ليست كذلك فقط، بل إنها اللغة الأجمل، هي اللغة الساحرة في جزالة التعبير، وغزارة المفردات، ودقة المعنى، ونغمات النطق، هي اللغة التي حملت إلينا أدبا فصيحا وشعرا مؤثرا عبر القرون. وهي قبل ذلك وبعده اللغة التي اختارها رب العالمين لغة لكتابه الكريم.
يجب أن يكون المحتوى المعلوماتي العربي على الإنترنت لائقا في شكله ولائقا في مضمونه. فالإنترنت هي مكتبة العالم الكبرى التي تتوسع وتكبر كل يوم، والتي تتيح كل ما لديها من محتوى معلوماتي، أو على الأقل جله، للجميع حول العالم. هذا المحتوى يتضمن نصوصا للقراءة، ويشمل أصواتا للاستماع، إضافة إلى صور ثابتة ومتحركة للمشاهدة. فيه الكتب والصحف والمجلات والمقالات والأوراق البحثية والتعليقات والآراء المختلفة؛ وفيه الأحداث والمحاضرات والمسلسلات والأفلام. الجميع يستطيعون الإضافة إلى المحتوى، وبالطبع يستطيعون استخدامه أيضا.
لا شك أن هناك جهودا كبيرة في مجال إثراء المحتوى العربي على الإنترنت من جهات مخلفة في شتى أنحاء العالم العربي، أو حتى خارجه. هناك التعاملات الإلكترونية الحكومية في مختلف البلدان العربية، وهناك الصحف والمجلات، ومؤسسات الإذاعة والتلفزيون العربية، وهناك مبادرات معرفية خاصة في هذا المجال، كمبادرة الملك عبد الله للمحتوى العربي على الإنترنت التي تقودها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية. وهناك إسهامات فردية أخرى. لكن كل ذلك لا يبدو كافيا وحجم المحتوى المعلوماتي العربي لا يزال عند سبعة في العشرة فقط من المحتوى المعلوماتي الكلي للإنترنت. نريد من كل من يستطيع الإسهام في إثراء المحتوى العربي على الإنترنت أن يفعل ذلك، سواء كان فردا أو مؤسسة. نريد لكل محتوى جديد أن يكون مفيدا في مضمونه، يراعي الصياغة الصحيحة، ويختار المفردات اللائقة بلغتنا الجميلة، ويكتبها دون خطأ أو ينطقها دون غموض. نريد كتبا ومحاضرات متجددة وأفلاما وثائقية في المعارف الحية المختلفة، نريد دروسا ودورات في موضوعات تستجيب لمتطلبات العصر. نريد للإنترنت أن تكون مركزا معرفيا عالميا باللغة عربية كما هي باللغة الإنجليزية.

إنشرها