FINANCIAL TIMES

الصين .. عمالقة الإنترنت يدفعون ضريبة النجاح

اتهمت بكين القطاع بأنه "سام". تدخل جيش التحرير الشعبي ليقول إن القطاع يعمل على استنزاف قوة وعظمة الجيش الصيني. أضاف الآباء والأمهات مزيدا من الانتقادات عندما عانى ولد يبلغ من العمر 17 عاما سكتة دماغية بعد أن ظل يلعب بلا توقف لمدة 40 ساعة. لعبة "شرف الملوك" ليست فقط لعبة الجوال التي تحقق أعلى الإيرادات في العالم، مع 200 مليون مستخدم مسجلين في الصين وحدها، بل هي أيضا موضوع لتدقيق مكثف.
استجابت شركة تينسنت، الشركة الصانعة للعبة الخيال التي تشتمل على اتخاذ أدوار، من خلال الحد من عدد الساعات التي يستطيع الأطفال فيها ممارسة اللعبة - ساعة واحدة يوميا للأطفال ممن هم أقل من 12 عاما وساعتان حدا أقصى للأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 12 و18 عاما - بعدما بدا أنه هجوم منسق من قبل السلطات في تموز (يوليو). وخسرت الشركة ما يقارب 15 مليار دولار من رسملتها السوقية. أما بالنسبة للأطفال، فقد استخدم كثير منهم أرقاما وطنية مزيفة، أو استعاروا بطاقات تعريف الشخصية الخاصة بآبائهم وأمهاتهم للتحايل على التعليمات وإشباع رغباتهم التي وصلت إلى حد الإدمان.
لكن الخطوة كانت أكثر من مجرد صفعة بسيطة تلقتها شركة تينسنت. فقد أشعرت عمالقة التكنولوجيا في البلاد بأن سعيهم للوصول إلى القمة دون رادع أو رقيب - تحتل شركتا تينسنت وعلي بابا مكانة إلى جانب كل من "فيسبوك" و"أمازون" ضمن أعلى عشر شركات قيمة في العالم – لم يعد من الممكن أن يعتمد على أنه يحظى بتصريح مفتوح من بكين. كانت شركات التكنولوجيا تتجنب التدخل التنظيمي الأوسع في الماضي من خلال اعتماد أسلوب الرقابة الذاتية وتطوير العلاقات مع الحكومة. وفي العادة كانت الأجهزة التنظيمية لا تتدخل إلا استجابة لرد فعل عنيف من الجمهور.
لكن منذ الضجة التي أثارتها لعبة "شرف الملوك"، كانت هناك إشارات تحذيرية أخرى موجهة للصناعة. فقد أُغلِقت مواقع الأخبار والثرثرة المتعلقة بالمشاهير. وتم توجيه النقد لمنصة تاوباو، التابعة لشركة علي بابا للتجارة الإلكترونية، بسبب بيعها عملة رمزية محظورة لشبكات افتراضية خاصة. وأُمِرت أنظمة الدفع على الجوال بتوجيه عمليات التحويل النهائية لديها من خلال منصة مقاصة مركزية، ما أعادها إلى عالم الأعمال المصرفية التقليدية الذي عملت من الناحية العملية على تعطيله.
ماثيو برينان، من قناة الصين، وهي هيئة للخدمات الاستشارية، الذي تعقب تينسنت منذ أن تم إدراجها عام 2014، هو من بين الذين يعتقدون أنها هي وشركة علي بابا أصبحتا قويتين فوق الحد. يقول: "أهل الصناعة وأنا وكذلك الحكومة أصبحوا مدركين لذلك أيضا. فقد بدأت هذه الشركات في الواقع في الهيمنة بشكل متزايد باستمرار على الاقتصاد".
وأعلنت "علي بابا" ارتفاعا يصل إلى الضعف تقريبا في إجمالي الدخل الصافي ليبلغ أكثر من ملياري دولار بقليل خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بنهاية حزيران (يونيو)، وتجاوزت بذلك توقعات المحللين في الوقت الذي تستمر فيه طفرة التسوق الإلكتروني الصينية. وشهدت "تينسنت" ارتفاعا في الإيرادات بنسبة 59 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 56.61 مليار رنمينبي (8.6 مليار دولار) خلال الفترة نفسها.
الانتقاد هو أن شركات التكنولوجيا أصبحت قوية، ومهمة بالنسبة للاقتصاد، بقدر أهمية وقوة الشركات المملوكة للدولة، التي تدوس عليها. ويأتي هذا في وقت تغير فيه مناخ البلد بشكل ملحوظ، مع حملة الرئيس تشي جينبينج لتطهير الفساد والحد من المخاطر التي تهدد سلامة النظام المالي، وفي الوقت نفسه يعمل على توطيد ما يكفي من القوة للسيطرة على خلافته.

مساعدة الدولة

من المستحيل تماما، حتى بالنسبة لأي زائر، قضاء يوم واحد في الصين دون اللجوء إلى استخدام تطبيق تنسنت أو علي بابا. فالاتصال بأكمله يتم من الناحية العملية من خلال خدمة المراسلة "وي تشات" التي توفرها شركة تينسنت، وتجد في كل مكان لافتات المتاجر التي تطالب بالدفع من خلال التطبيقات. بالنسبة للسكان المحليين في الصين، يكون الاستخدام أعلى حتى مما هو بالنسبة للزوار الأجانب. وفقا للشركة، يمضي نصف مستخدمي تطبيق وي تشات 90 دقيقة يوميا في استخدام خدماتها، بدءا من وسائل التواصل الاجتماعي وصولا إلى المدفوعات والأخبار والموسيقى والألعاب. وبالنسبة لـ"تينسنت"، تعمل ألعاب مثل لعبة "شرف الملوك" على إبقاء الناس على اتصال بالإنترنت فترات زمنية أطول، ونظريا، إنفاق مزيد من المال. بالمثل، عملت "علي بابا" على افتتاح فروع لها لتتفرع عن أصولها المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وتدخل في مجالات البث الحي للموسيقى ووسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال فرعها "أنت المالية"، في مجموعة من المنتجات المالية بما في ذلك إدارة الثروات.
هذا وضع الحكومة في معضلة. من ناحية، ينسجم ظهور عمالقة التكنولوجيا في القطاع الخاص مع خطوات لإعادة توظيف الاقتصاد وتوجيهه نحو الاستهلاك والتكنولوجيا الراقية المتطورة. ومن ناحية أخرى، هذا الأمر بطبيعته يعمل على التعطيل، بحيث يهدد عشرات الآلاف من الوظائف، ويوسع الفجوة الموجودة مع الشركات المتثاقلة، المملوكة للدولة.
يقول دنكان كلارك، مؤلف كتاب "علي بابا: البيت الذي بناه جاك ما": "تعتبر التكنولوجيا أداة مفيدة لإعادة التوازن للاقتصاد. هناك توتر مستمر بين محاولة إصلاح الشركات المملوكة للدولة والاعتماد عليها لتوفير الوظائف".
يأتي التحذير المقدم لعمالقة التكنولوجيا في تزامن مع الخطوات المتخذة لضخ زخم جديد في الشركات المملوكة للدولة، بحسب ما يقول المحللون. بعد ما يقارب سنة من المفاوضات مع الحكومة، وافقت شركات التكنولوجيا على ضخ 12 مليار دولار في شركة "تشاينا يونيكوم"، وهي مُشغل لاتصالات الخط الثابت مملوكة للدولة، التي ضعفت مكانتها في سوق قفز فيها القطاع الخاص وحقق تقدما في العصر الرقمي.
ويأتي هذا التمويل ضمن جهود الحكومة الرامية إلى بناء ما تسميه "الملكية المختلطة"، كناية عن الخصخصة الجزئية في القطاع. صفقة شركة يونيكوم هي الأكبر من نوعها خلال العقد الماضي، وإن كانت صفقة لا يزال يرى الخبراء أنها من غير المرجح أن تحقق الكثير من حيث تعزيز الإيرادات في شركة الاتصالات.
وصف أحد المشاركين قائمة المستثمرين بأنها "دليل لأسماء الموجودين في فضاء الإنترنت" في الصين، مضيفا أن هدف الحكومة واضح جدا: مساعدة الشركات المملوكة للدولة على "الولوج إلى العصر الرقمي الجديد".
مع ذلك، وبعد أن دفعت الأموال النقدية فورا، تسارع الشركات في تبديد أي فكرة تفيد بأنها تعرضت لضغوط للانخراط في الخدمة الوطنية، مشيرة بدلا من ذلك إلى المكاسب المحتملة: مشاريع مشتركة، وتحسين نطاق الخدمات المقدمة، وإمكانية الوصول إلى عملاء "يونيكوم" من أجل البيع واسع النطاق.
مع ذلك، يصف أحد المشاركين الوضع بأنه أشبه بعرض لا تستطيع الشركات رفضه. ويتساءل: "لا يمكننا الرفض، لكن هل يمكن تحديد عدد المرات التي يجب علينا فيها أن نقول نعم؟".
فُرضت القيود على المدفوعات والخدمات المالية المقدمة من قبل "تينسنت" و"علي بابا"، التي تحظى بشعبية واسعة للغاية، ما يحد من عدد الأصول التي تستطيع صناديق الأموال المشتركة الخاصة بها الاستثمار فيها، وعملت على توجيه مقاصة المدفوعات لتتم عبر المصارف. عمل "يوإيباو"، أكبر صندوق للأموال المشتركة في العالم، الذي تمتلك الأغلبية فيه شركة آنت المالية، على إجراء خفض لمرتين هذا العام للحد الأقصى للحسابات الفردية، من مليون رنمينبي إلى 100 ألف رنمينبي، بعد تعرضه لضغوط من الجهات المنظمة.
يقول كلارك، المؤسس أيضا لـ "بي دي أيه"، وهي هيئة استشارات للتكنولوجيا: "تريد الحكومة النفوذ، دائما. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الصين. لدى الحكومة القدرة على السماح، أو رفض السماح بالوصول إلى أسواق رأس المال، محليا وفي الخارج، والوصول إلى الفرص".

حملة تشي

من غير المحتمل أن أقران "تينسنت" و"علي بابا" في الخارج، الذين يشعرون بغضب شديد منذ زمن طويل من الهيئات المنظمة الصينية، سيُظهِرون الكثير من التعاطف – "فيسبوك" و"تويتر" و"جوجل" جميعها محظورة في الصين.
يقول محام مختص في عمليات الاندماج والاستحواذ في الصين: "لا يمكنك افتراض أن الشركات الصينية فوق القانون. في الماضي ربما كان هناك المزيد من التفاؤل بأنها كانت كذلك، لكن انظر إلى الألعاب (وحالة لعبة شرف الملوك). أعتقد أن كل شخص سيكون عرضة لسياسات الحكومة المركزية".
تدقيق بكين وتمحيصها الذي تفرضه على الشركات المحلية هو علامة على تحول في الأولويات. والمخاوف حول الاقتصاد وتدفقات رأس المال الخارجة - انخفضت احتياطيات العملات الأجنبية تريليون دولار بين حزيران (يونيو) 2014 وكانون الثاني (يناير) 2017 – تظهر آثاره في القواعد الجديدة الخاصة بأنظمة الدفع. حتى الحملة التي شنت على لعبة "شرف الملوك" يمكن النظر إليها باعتبارها قيدا على عمليات الاستحواذ في مجالات مثل الأفلام وكرة القدم.
كاي فو لي، الذي كان في السابق يتولى إدارة قسم جوجل في الصين ويدير الآن شركة رأس المال الاستثمارية "ساينوفيشن بروجيكتس"، يرى أن الصين هي "الدولة الأكثر تقدمية وتحررا في العالم" عندما يتعلق الأمر بنشر التكنولوجيا، لكن الظهور السريع لقطاع المدفوعات عبر الإنترنت في الصين يعني أن بكين، خلافا للولايات المتحدة، فقدت قدرتها على تعقب الأموال النقدية بسهولة، ما أدى إلى توليد مخاوف تتعلق بالتهرب من الضرائب وغسل الأموال.
يقول: "أعتقد أنه بات من المفهوم أن الوقت قد حان؛ لأنه إذا أردتَ أن تتعقب غسل الأموال والتهرب من الضرائب، فلن يكون الأمر سهلا (من خلال أنظمة الدفع المذكورة)".
وتتزامن حملة القمع مع عدة أولويات لبكين: السيطرة على الاقتصاد، وإصلاح الشركات المملوكة للدولة، الحاسمة بالنسبة لسوق العمل، وسياسة الحزب. ويشكل مؤتمر الحزب الذي يعقد في تشرين الأول (أكتوبر) بداية فترة ولاية تشي الثانية لمدة خمس سنوات أمينا عام للحزب الشيوعي. وفي تحرك يعتبر خطوة تهدف إلى تعزيز وتوطيد سلطته، يشن تشي حملة قمع على المحتوى الإلكتروني، مزيلا كل شيء، بدءا من المحتوى الإباحي وصولا إلى الثرثرة والأصوات المعارضة، إضافة إلى تفكيك العشرات من شركات البث المباشر على الإنترنت. يقول أحد محامي التكنولوجيا: "دائما ما كانوا يتمتعون بحقوق الرقابة. الآن نتوجه نحو عالم إنترنت خاضع تماما لسيطرة ورقابة الحكومة".
خضعت "تينسنت" وزميلاتها من شركات التكنولوجيا، "بايدو" و"ساينا" و"ايبو"، لتحقيقات من قبل الجهات التنظيمية منذ آب (أغسطس) لسماحها بنشر مواد "تضر بالنظام الاجتماعي". ووفقا لإدارة الفضاء الإلكتروني في الصين، سمحت الشركات موضع التحقيق بنشر مواد "عنيفة وإرهابية ومزيفة وتنشر الشائعات وفاحشة وإباحية". وقالت الشركات الثلاث جميعا إنها "تعتذر بقوة" بعد أن تم الإعلان عن التحقيق.
ويعتقد بعضهم أن هذه هي الشبكة نفسها التي أمسكت بلعبة "شرف الملوك". يقول برينان: "الحكومة شعبوية وتحتاج لأن يتم اعتبارها أنها تفعل شيئا ما حيال الأمور التي تؤثر في الناس".
ويضيف لاعب آخر في هذه الصناعة: "هذه هي الحكومة التي تشعر بالقلق نيابة عن الآباء والأمهات؛ لأن الكثير منهم آباء وأمهات أيضا".

أجنحة مقصوصة

يبدو أن هذه النزعة الأبوية امتدت إلى الشركات المملوكة للدولة. وصول "أليباي" و"وايكسين باي"، نظامي الدفع المتنقل اللذين تديرهما "علي بابا" و"تينسنت"، على التوالي، يعني أن مبالغ نقدية أقل بكثير تتدفق عبر المصارف المملوكة للدولة مثل بنك الصين، وبنك الصين الزراعي، وبنك الإعمار الصيني.
ويلاحظ أحد المحامين أن شركات التكنولوجيا تعمل "كمصارف بحكم الأمر الواقع"، بحيث تتلقى رواتب الناس وتدفع مصروفاتهم. يقول: "ستحد الصين من قدرات ما تستطيع من الشركات. هم يشعرون بالقلق فعليا بشأن الاقتصاد. لا أحد يمتلك بيانات دقيقة حول ما يحدث (هناك)".
يقول برينان إن وجود "أليباي" و"وايكسين باي" جيد بالنسبة للاقتصاد، ويضع الصين في طليعة نظام المدفوعات على الجوال، وهي سوق بقيمة 8.8 تريليون دولار وحجمها أكبر 50 مرة حجم السوق في الولايات المتحدة، وفقا لبيانات مقدمة من شركات استشارات البيانات.
لكنها في الوقت نفسه "تعمل على إضعاف القطاع المصرفي للشركات المملوكة للدولة، وهي تفعل ذلك بشكل سريع جدا، وقد يؤدي ذلك إلى حالة من عدم الاستقرار (...) يمكن أن يتحول الكثير من التعطيل الجاري الآن إلى قلاقل. لذلك ربما يعتقدون أنهم بحاجة لتقليم أجنحتها قليلا"، بحسب ما يضيف برينان.
ردا على ذلك، تعمل شركات التكنولوجيا مباشرة في إدارة مشاريع مع الحكومة. فقد ارتبطت "بايدو" مع لجنة الإصلاح والتطوير الوطنية لبناء مختبر قومي للتعلم المتعمق. وتركيز الشركة على الذكاء الاصطناعي الذي يتناسب تماما مع أحدث جهود الحكومة الرامية لقيادة العالم في القطاع بحلول عام 2030.
داخليا، تأخذ "علي بابا" منصتها الخاصة بالتجارة الإلكترونية، مبادرة تاوباو للقرى، إلى مناطق ريفية في الصين وتدمجها مع متاجر صغيرة، بحيث يستطيع الناس الدخول على الإنترنت والشراء من خلالها، وهي مبادرة تتوافق بشكل مرتب مع جهود الحكومة للحد من الفقر. وخارجيا، أصبحت تلك الشركات تمثل وجه الصين الحديثة. وأصبح جاك ما، مؤسس "علي بابا"، سفير القوة الناعمة الصينية، باجتماعه مع رؤساء الدول - اجتمع مع دونالد ترمب قبل شهر من حديث الرئيس الأمريكي مع تشي - وتعهد بتقديم مزيج من الوظائف (مليون وظيفة في الولايات المتحدة) وأموال نقدية (صندوق لأصحاب المشاريع الشباب في إفريقيا بقيمة 10 ملايين دولار).

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES