FINANCIAL TIMES

الضبط الذاتي لدى «فيسبوك» بحاجة إلى تحديث

ماذا نفهم من كشف "فيسبوك" النقاب عن أن جهات فاعلة روسية "غير أصيلة" اشترت منها إعلانات بقيمة 100 ألف دولار، وسط مزاعم بأن موسكو أثرت في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟ الإعلانات على منصة وسائل الإعلام الاجتماعية لم تشتمل على رسائل محددة عن المرشحين أو الانتخابات، إلا أنها ركّزت بالتأكيد على قضايا السياسة - من حق امتلاك السلاح إلى الهجرة - التي كانت ذات أهمية هائلة في السباق الرئاسي. هذا فقط يوفّر مزيدا من الأدلة على أن "فيسبوك"، التي إلى جانب "جوجل" تُسيطران على 85 في المائة من سوق الإعلانات الرقمية، ليستا مجرد قوة اقتصادية، لكنهما مؤثر سياسي كبير أيضا.
الواقعة تُسلّط الضوء على ثلاث قضايا مهمة للشركات والمجتمع. أولاً، في الوقت الذي تتراجع فيه إيرادات شركات وسائل الإعلام القديمة، زادت إيرادات المنصات على الإنترنت بشكل كبير. المنصات التي من هذا القبيل تملك الآن سيطرة أكثر من أي كيان واحد آخر على نوع المعلومات - الإخبارية وغير الإخبارية - التي تصل إلى الجمهور. من خلال تسخير قوة البيانات الكبيرة، الشركات التي مثل "فيسبوك" تستطيع استهداف مستخدمين معينين مع دقة لم نعرفها من قبل في تاريخ الإعلانات.
القضية الثانية هي القوة التي تمنحها هذه القدرة لشركات المنصات تلك على تشكيل المجتمع. يقول فرانك باسكويل، أستاذ القانون في جامعة ماريلاند، وهو ناقد معروف لشركات التكنولوجيا الكبيرة "الكيانات التجارية، والحملات السياسية، والحكومات - وفي الواقع، أي شخص يطمح إلى مراقبة، وتسييل، السلوك البشري والسيطرة عليه والتنبؤ به – هي جميعا حريصة على العمل مع المنصات الكبيرة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية". في الواقع، هذا بالضبط ما كانت تلك الكيانات الروسية تدفع المال لـ "فيسبوك" لتفعله.
الشركة لم تكشف الإعلانات المشكوك فيها، قائلة "إن سياسة البيانات لدينا والقانون الفيدرالي يحُدان من قدرتنا على مشاركة بيانات ومحتوى المستخدمين"، واجتذبت بذلك فعليا انتقادات من مختصين في مجال التكنولوجيا. يقول جوناثان تابلين، مؤلف "تحرّك بسرعة وحطّم الأشياء"، الذي يدرس الآثار الاقتصادية والاجتماعية لشركات التكنولوجيا الكبيرة "أنا متشكك في أن هذه استجابة قوية". عدد من كبار زعماء الكونجرس يوافقون على ذلك في محافلهم الخاصة، معربين عن اعتقادهم أن ما تجعله الشركة علنيا قد يكون، على حد تعبير أحد المُشرعين، مجرد "غيض من فيض". هناك مزيد من الأسئلة حول متى أصبحت "فيسبوك"، التي أرسلت موظفين للعمل في "غرفة حرب ترمب/كامبريدج أناليتيكا" في تكساس، كانت على علم بأي من تلك المشكلات مع الإعلانات المشكوك فيها وماذا ستفعل في المستقبل لإيقافها.
بالطبع، وضعت "فيسبوك" أيضاً موظفين في المقر الرئيسي لحملة هيلاري كلينتون؛ ليس من غير المألوف أن تعمل شركات في القطاع الخاص مع السياسيين بهذه الطريقة. لكن هنا تكمُن القضية الثالثة، والنقطة الرئيسية - ما مدى اختلاف "فيسبوك" عن أي نوع آخر من الشركات؟ "فيسبوك"، إلى جانب "جوجل" وكثير من شركات المنصات الكبيرة الأخرى، كانت تتعرض للانتقاد لعدم تحمّل المسؤولية لما يحدث على مواقعها الإلكترونية. ثغرة قانونية غير معروفة، المادة 230 من قانون الاتصالات واللياقة، تسمح لها بتجنّب، مع بعض الاستثناءات الصغيرة، "المسؤولية الوسيطة" لما يفعله أو يقوله أي شخص على مواقعها. تلك الثغرة تسمح لها أيضاً بمراقبة مواقعها من أجل السلوكيات المُسببة للمشكلات، لتكون بمنزلة "متطوعين لمساعدة الغرباء"، بدون تحمّل المسؤولية.
"فيسبوك" تقول "إنها تجري باستمرار مزيدا من هذا التدقيق، الذي يشمل التحقيقات الخاصة بها في الإعلانات الروسية". ومع ذلك، نتائج ذلك التحقيق تجعل من الواضح أيضاً أن نماذج أعمال مُشغلي المنصات تغيّرت بشكل كبير بحيث لم تعُد تستحق نوع الإعفاءات الشاملة من الالتزامات التي تتحملها الشركات في كل الصناعات الأخرى، باعتبارها ثمنا لممارسة الأعمال. لم تعُد هذه الشركات تمثل "المساحة العامة للناس"، إنما هي شركات إعلانية تحقق أرباحا من كل من الأخبار المزيفة والحقيقية، إلى جانب جميع أنواع البيانات، بطرق تُحاكي طُرق شركات النشر التقليدية ومتاجر التجزئة. وهي تفعل هذا بدقة، مع عدم وجود المساءلة القانونية المعروفة بالنسبة إلى تلك الشركات القديمة. يقول باسكويل "لم تعُد "فيسبوك" قادرة على وصف نفسها بصدقية أنها مجرد منصة لمحتوى الآخرين، خاصة عندما تستفيد من الإعلانات ذات الاستهداف الصغير. "يجب عليها، إلى جانب منصات كبيرة أخرى مثل "جوجل"، تحمّل بعض المسؤوليات الأساسية للمحتوى الذي تنشره".
تقول "فيسبوك"، "إنها تفعل أكثر من ذلك - ليس مجرد الضبط الذاتي والتحقيق، لكن أيضاً إدخال عناصر تصميم جديدة تحت سيطرة الناشرين للمساعدة في تمييز الإعلام الحقيقي من الأخبار المزيفة، وتشجيع بعض النقاد على نشر مدونات عن وجهات نظرهم. لكن في نهاية المطاف لا توجد صناعة بهذا الحجم الكبير والقوة تستطيع النجاح بالضبط الذاتي". في الوقت الذي تستمر فيه تحقيقات الشركة الخاصة، فضلاً عن تحقيقات اللجنة الانتخابية الفيدرالية، في فضيحة الأخبار المزيفة الروسية، هناك ضجة متنامية من أجل الضغط التنظيمي الذي يُبنى حول ما كان فيما مضى صناعة "تيفلون"، محبوبة من كل من الليبراليين والتحررين، التي مارست ضغطا على كل منهما بنجاح. في آب (أغسطس)، مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين أدخلوا تشريعا يُمكن أن يطعن في إعفاء المسؤولية. قضية قادمة للمحكمة العُليا يُمكن أن تحوّل الطريقة التي يُحقق فيها اللاعبون الأكبر الأرباح من الملكية الفكرية للاعبين الأصغر. في الوقت نفسه، عبر المحيط الأطلسي، يستمر الاتحاد الأوروبي في دفع أجندة أعمال لمكافحة الاحتكار خاصة بالتكنولوجيا.
شركات التكنولوجيا الكبيرة قوية. لكنها قد تجد، مثلما فعل كثير من الصناعات في الماضي، أن الحكومات لا تزال أكثر قوة منها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES