الشباب .. وفرص الاستثمار

|

منذ سنوات والحديث متصل عن تشجيع الشباب على الاستثمار، سعت الدولة من جانبها إلى تقديم نوافذ عملية تسهم في هذا الاتجاه، سواء في التمويل من خلال بنك التسليف وغيره أو في سن الأنظمة والقوانين التي تيسر البدء بنشاط استثماري.
وإذا كان رأس المال لبدء مشروع هو نقطة الانطلاق والعامل الحاسم في الإقدام على ممارسة نشاط استثماري خاص أو الإحجام عنه، فإن ثمة شيئا ما هو شديد الأهمية قبل ذلك ومعه، وهو وضوح الصورة عن نوع العمل الذي يريد الشاب الانخراط فيه والكيفية التي يمكن من خلالها أن يتعرف بها الشاب المتحمس لممارسة عمل استثماري، على ما ينبغي له أن يلم به ويطلع عليه والإحاطة بجوانب تقنية ومالية وإدارية تخص النشاط الذي يعتزم الشاب العمل فيه.. فمن المعلوم جدا أن كثيرا من الأفكار، قد تبدو مبدعة وخلاقة وتوحي بقيمة هذا النشاط وتعد بدخول مجزية غير أنه لا يغرب عن البال أن كثيرا من الشباب يقع تحت إغراء الفكرة وبريقها فتبدو له جذابة لا يملك إزاءها مقاومة، سوى عدم توافر المال لديه، أو هكذا غالبا ما يكون العذر.
لكن.. مع ذلك، أو، رغم ذلك، يبقى أن أولئك الشباب ممن توافر بين أيديهم رأسمال، أو أولئك الذين يلتمسون للمال سبيلا بالاقتراض وغيره، عرضة لأن يمارس عديد منهم قدرا من المجازفة وأن مخاطر تحف بعملهم طالما هم لا يملكون الخبرة ولا التجربة.. ولا هم على علم بما سيواجهونه من نفقات قد تقصم ظهر المشروع منذ البداية أو في بعض الطريق فيه.
هذا يؤكد أن الأعمال الخاصة لمن يريدون الانخراط فيها ما زالت بحاجة ماسة إلى حواضن معرفية في مجال المال والأعمال تقدم دروسا مكثفة فيها، ونظن أن تلك مهمة الغرف التجارية والمصارف، فهي المؤهلة لضخ الاستشارة العلمية العملية، لاسيما حين يتولى شأنها رجال أعمال لهم خبرتهم وأساتذة اقتصاد وإدارة يفتحون فيها أعين الشباب على متطلبات البدء بنشاط خاص وما يستدعيه من استحقاقات مسبقة لتضع أمام الشباب الخطوات التي عليهم أن يلزموا أنفسهم بها لكي يسيروا في مشوارهم العملي على أسس محسوبة تفي بالشروط وتراقب التوقيت، وأن تتسلح أيضا بحس التريث والانضباط وبذل الجهد دون كلل.
توقد الحماس في شباب الأعمال أحيانا يدفع بهم إلى المبالغة في الخيال والأحلام، خصوصا وهو يسمع عن ضربات حظ هنا وهناك ممن كانوا بلا مال ثم فجأة أصبحوا من ذوي الثروات.. فكم تغرر الحكايات والأخبار المزركشة عن أمثال هؤلاء الناجحين جاعلة مما يقال حقيقة صرفة، فيما أن للحكايات وللأخبار جوانبها الخفية التي يطمس الرواة أو حتى أصحاب التجارب الناجحة أنفسهم حقائق يتم إغفالها مبقين على ما يكسبهم امتيازا أو أن تجعل منهم الحكايات والأخبار المروية عنهم أبطالا وأنهم جاؤوا بالمستحيل، في حين أن المستحيل ــ في واقع الأمر ــ لا يأتي على الإطلاق إلا بشق النفس وصدق المكابدة والحرص على الاطلاع والإبداع في صياغة أسلوب العمل أو تجديد صياغة آلياته.. لكن ذلك مع الأسف لا يقال بصدق
نقول هذا، لأننا نسمع من أفواه الشباب ما يملؤنا غبطة وفرحا عن رغباتهم في هذا العمل أو ذاك، وبعضها فعلا مشاريع مميزة ومثيرة حقا، غير أن ذلك شيء وإمكانية ترجمة ذلك شيء آخر، ومن هنا، فسيظل تدفق أحلام الشباب ثروة ينبغي أن يجنبها مغبة الوقوع في قبضة المضاربة مع الحماس وحده لكيلا يشكل ذلك هدرا لها أو خطرا عليهم وإنما استثمار هذا الحماس من قبل الغرف التجارية والمصارف والمبادرة إلى تحمل مسؤوليتها في هذا كواجب جوهري من واجبات المسؤولية الاجتماعية، فتقدم لهم المشورة والمعرفة والخبرة في الأنشطة التي يزمعون القيام بها.. دون مقابل مادي، أو، بمقابل رمزي لا يجعل منها سببا يقمع شهية الشباب ويحول دون أن يسمع ويعرف ما لابد له من أن يسمعه ويعرفه من أهل الخبرة والتجربة والاختصاص.. فهل بالإمكان أن تقوم الغرف التجارية والمصارف بذلك.. أم أننا سنترك شبابنا في عراء من المعرفة؟!

إنشرها