البيروقراطية .. الأسباب والآثار

|

لا يوجد فرد يتعامل مع وزارة، أو إدارة حكومية إلا واجه شكلا من ممارسات البيروقراطية عند مراجعته في معاملة توظيف، أو علاج، أو استخراج صك، أو ترخيص بناء، أو إيصال التيار الكهربائي، أو أي خدمة من الخدمات. وتأخذ البيروقراطية عدة صور، إما بالاعتذار بأنه لا يمكن إنجاز المعاملة إلا بعد أسبوع، أو أن أحد الموظفين غير موجود إما لتأخره عن العمل في ذلك اليوم، أو لأنه مجاز، أو أن المدير في اجتماع، ولا يمكن مقاطعته لأخذ توقيعه، وقد حصل لي مثل هذا الأمر، حيث راجعت إحدى الدوائر الحكومية في معاملة، وكان الجواب أن المدير غير موجود، وعليك الحضور في الغد، فكان جوابي أن المدير له نائب، أو أحد يؤدي المهمة حال غيابه، خاصة أن الموضوع ليس على درجة من الأهمية، وبعد إلحاح قام الموظف نفسه الذي أراد حضوري غدا، وأنجز المعاملة خلال خمس دقائق.
الآن، ومع التقنية الحديثة يفترض انقراض الممارسات البيروقراطية، أو انحسارها بشكل كبير لتوافر المعلومات، وسرعة استرجاعها، ووضوح المعلومات، ودقتها بشأن صاحب المعاملة، أو توافر الشروط من عدمها، من خلال المعلومات المتوافرة على النظام، إلا إن تعطل النظام، وعدم انتظامه أصبح عاملا من عوامل البيروقراطية اللابشرية، أي التي ليست بسبب البشر لكنها تكون عذرا للتسويف، أو عدم الرغبة في الإنجاز، لكن تعطل النظام أصبح عذرا سريعا لبعض الموظفين، كما أن عدم إجادة التعامل مع التقنية لمن لا يمتلك الخبرة الكافية، والمهارة المطلوبة في حفظ المعلومات، أو في استرجاعها بالشكل المطلوب أصبح أحد أشكال البيروقراطية، وكم من المواقف التي يواجهها المراجعون، نتيجة هذا الضعف في التأهيل وحسن التعامل مع التقنية.
من الأسباب الشائعة في البيروقراطية المعطلة لمصالح الناس، والمتسببة في خسائر، وتكلفة مادية لميزانية الوطن عدم وضوح النظام في قضية من القضايا، وقد يكون الأمر متروكا البت فيه والترجيح لرئيس الدائرة، لكن البعض يتحير في الأمر ويتردد وهو ما يترتب عليه التعطيل.
في نظري أن مثل هؤلاء الرؤساء وضعوا في المكان الخطأ، إذ إن افتقاد خاصية القيادة يؤدي به لهذه الممارسات، كما أن عدم فهم الموظف للنظام، إما لقصور فهم، أو قلة خبرة ودراية بالأنظمة يجعله يعطل المعاملة ولا يتخذ فيها قرارا ويودعها الدرج. وكثيرا ما نسمع عن معاملات مضت عليها سنين، لم تأخذ طريقها للبت فيها.
شخصية الموظف وثقته بنفسه لها أهمية في حسم كثير من الأمور والبت فيها، فضعف الثقة بالنفس يجلب التردد خوفا على نفسه ومنصبه، رغم أن الأنظمة وضعت لتيسير مصالح الناس وتحقيق العدالة بينهم، وفي ظني أن مثل هؤلاء بحاجة إلى دورات تدريبية تؤهلهم لمعرفة آليات اتخاذ القرار، وتبصرهم بمعرفة المخارج القانونية التي تحميهم، وفي الوقت ذاته تحقق مصالح الناس بما لا يضر بمصالح الآخرين.
الممارسة البيروقراطية تسكن في نفوس البعض وتصبح ممارسة مألوفة يمارسونها في كل يوم، رغم أن الموضوع واضح ويمكن اتخاذ القرار فيه من المدير الذي وصلته المعاملة إلا أن "ميكانزم" حماية الذات توجه ممارساته، ولذا المعاملة الواحدة تمر على عدة موظفين، وعليها من الشروحات ما الله به عليم رغم أن اللائحة واضحة، فلو كلف المدير نفسه بالاطلاع على اللائحة لبت في الأمر دونما تأخير وانتظار لصاحب المصلحة.
في الجامعة على سبيل المثال لا الحصر يتقدم طالب يتظلم بشأن رسوبه في الاختبار الشامل، ويقر في تظلمه أنه أخذ الاختبار التحريري مرتين، والشفهي مرتين، أي أعطي الفرص التي نص عليها النظام، ومع ذلك تأخذ المعاملة دورة كاملة داخل مكاتب الجامعة من مديرها إلى المشرف على مكتبه، إلى وكيل الدراسات العليا، إلى مدير مكتبه، إلى عميد الكلية، ومن ثم إلى وكيل الكلية للدراسات العليا، وإلى رئيس القسم، وأخيرا تحط المعاملة رحالها عند لجنة التخصص التي اختبرت الطالب لترد بنفس الذي أفاد به الطالب، وقرره في شكواه، ولتعود المعاملة عبر الطريق نفسه، وتتوقف في المحطات التي مرت بها من قبل.
هذا مثال وغيره كثير من الأمثلة، وأتفهم أن يتم الرجوع للقسم المختص في حال عدم وضوح المعلومات أو نقصها، لكن في مواضيع واضحة يتحول الأمر إلى إضاعة وقت وهدر جهد، وإنفاق مالي يمكن توفيره لقضايا وأمور أكثر فائدة في دعم العملية التعليمية والبحثية. تعمدت إيراد مثال من الجامعة لأن الجامعة في دول العالم يفترض أن تكون مثالا يحتذى خاصة أنها تدرِّس الإدارة وتعقد الورش، والندوات في المجال الإداري، فهل نعيد النظر في ممارساتنا الإدارية ونقلل من البيروقراطية والروتين القاتلين؟

إنشرها