الإرهاب المالي

|
"تستطيع أن تحول أدوات التواصل الاجتماعي إلى أدوات جيدة أو أدوات مضرة وخطيرة" سيرا ـــ شاعرة ومغنية أمريكية بعد أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ملاذا آمنا لتوصيل الرسائل والمعلومات الخاصة بتنفيذ أعمال إرهابية مختلفة، ووفرت "سراديب بريدية" لهذه المهمات التخريبية، صارت أيضا ممرات وملاذات آمنة لما أُطلق عليه أخيرا "الإرهاب المالي". وهو إرهاب لا يتعلق بجرائم القتل والتفجيرات وعمليات التفخيخ التي يقوم بها الإرهابيون، بل بتسريب معلومات سرية حول شركة ما من داخلها، أو عن عملية تجارية شرعية تتطلب الكتمان، أو تداولات مالية مختلفة، أو بيع وشراء الأسهم والسندات، أو نشاطات الاستحواذ والاندماج بين المؤسسات، وغير ذلك من الحراك المالي الذي يجري بتريليونات الدولارات حول العالم يوميا. وإذا كان الإرهاب الأصلي يقتل ويدمر ويخرب، فـ "الإرهاب المالي" يضر ويضرب كيانات من كل الأحجام، ويضع أسرارها قيد التداول السهل المتاح لمن يسعى إليها. هناك مشكلة عويصة في هذا النطاق، لم تتمكن الحكومات المعنية من حلها، بل ظهرت هذه الحكومات وكأنها جهات تسعى إلى فرض رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي بغية تكميم الأفواه، أو غربلة الطروحات. والقائمون على هذه الوسائل يتعاونون في حدود ضيقة، انطلاقا أيضا من حق المستخدم في السرية، وهذا الحق تضمنه في الواقع القوانين والتشريعات التي تضعها الحكومات نفسها! وعلى مدى سنوات تحولت هذه المسألة من قضية لبحث المدى الذي يمكن للحكومات أن تصل إليه، والمسؤولية الأخلاقية لمؤسسات التواصل الاجتماعي، إلى سجال وجدال كبيرين. إحدى هذه المؤسسات رفضت تماما التعاون في هذا المجال، منطلقة بالطبع من القوانين التي تضمن لها ذلك، في حين أن هذه القوانين لم تتعدل بما يكفي لمنح الحكومات مزيدا من الحرية في الحراك على الساحة المغلقة لوسائل التواصل الاجتماعي. ولا شك أن العابثين بهذه الوسائل من إرهابيين قتلة إلى إرهابيين ماليين، يستغلون هذا الخلاف أو في أفضل الأحوال يستفيدون من التعاون المتواضع بين إدارات وسائل التواصل الاجتماعي والحكومات وجهات إنفاذ القانون. وإذا كانت الدول تواجه صعوبة في الوصول الحر إلى ملفات مستخدمي هذه الوسائل لأسباب أمنية، علينا أيضا أن نتخيل الصعوبة في الوصول إلى ملفات "الإرهابيين الماليين". وهنا يظهر الصراع الفعلي بين الجهتين المعنيتين، ولا يمكن أن يتم وضع حد لهذا الصراع، إلا بتشريعات جديدة، لن تكون عملية فرضها سهلة، ولها تكاليفها السياسية على الحكومات نفسها. ناهيك عن أن غالبية هذه الحكومات في العالم الغربي على وجه الخصوص، لا تتمتع بالقوة الشعبية على ساحاتها المحلية، الأمر الذي يدفعها إلى الحلول الوسط. يقول مكتب التحقيقات الفيدرالية "يبدأ التركيز على احتمال قيام الرسائل المشفرة، بتسهيل الجرائم المالية. والتشفير مشكلة متنامية في معالجة الاحتيال، وغسل الأموال والتداول بناء على معلومات سرية". وهذا الكلام مثير حقا، لأنه يعطي انطباعا بأنه حتى لو تم الوصول إلى الملفات "الخلفية" لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما الـ "واتس آب"، فإن عمليات التشفير التي يقومون بها تقف سدا منيعا أمام الكشف عن محتواها. والسرية التي تقدمها (بحسب مكتب التحقيقات الفيدرالية) مثل هذه الخدمات، تجعل التنصت على المحادثات ومذكرات الاستدعاء بلا قيمة. وهذا يعني مجددا، أن السلطات الساعية إلى إيقاف "الإرهاب المالي"، ستعود مجددا إلى ما يمكن تسميته "المربع الأول". استطاعت السلطات الأمريكية والبريطانية على وجه الخصوص في الآونة الأخيرة، ضبط عدد من المتعاملين في سوق المال والتجارة، قاموا بتمرير معلومات عبر تطبيق "واتس آب" مضرة بشركات كانت تخضع لعمليات استحواذ، وعلى آخرين قاموا بتمرير معلومات أخرى عن صفقات سرية للأصدقاء. لكن ما ضبطته هذه السلطات لا يُذكر أمام "نشاط التمرير" الذي لا يتوقف، بل تتسع دوائره إلى أحجام خطيرة ومضرة بالفعل. وغالبا ما تكون العقوبة على شكل غرامات مالية، بإمكان أي متلاعب مالي أن يدفعها وأن يعيش بما جمعه من هذه العمليات بلا عمل لبقية حياته. حتى عقوبة السجن (إذا ما وجدت) تكون عادة قصيرة الزمن. وهذا يشكل أيضا معضلة أمام الحكومات التي "تناضل" للوصول إلى الأشخاص المتلاعبين ماليا، وليس لديها عمليا عقوبات قوية ضدهم إذا ما كانت محظوظة ووصلت إليهم. في الواقع لم تنفع قرارات الشركات والمؤسسات المالية في حظر الهواتف الذكية لموظفيها خلال فترة الدوام الرسمي. لأن هؤلاء يستطيعون الوصول إلى المعلومات السرية بحكم عملهم، وبإمكانهم تمريرها بأساليب أخرى خلال النهار. هواتف ذكية في سياراتهم، أصدقاء متعاونون معهم ينتظرون خارج المؤسسة، وغير ذلك من الأساليب. إنها عملية عويصة لكل الأطراف، باستثناء "الإرهابيين الماليين". والمشكلة هنا، ليست في تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، بل في طريقة عمل المؤسسات نفسها، ومستوى الثقة التي تمنحها لهذا الموظف أو ذاك. خصوصا إذا ما علمنا، أن عمليات تشفير مبتكرة يمكن أن يتوصل إليها أي شخص ينوي شرا في هذه المؤسسة، أو يحاول الحصول على مكاسب مالية غير شرعية.
إنشرها