«السايبر» .. مشكلات ومقترحات

|

كثر الكلام أخيرا عن "السايبر". و"سايبر" هو نطق للكلمة الإنجليزية التي معناها معدل أو سعر الفائدة بين المصارف في السعودية. ويشبهه كتابة ونطقا "سايبر" الخاص بسنغافورة. ووجود معدل فائدة بين المصارف ممارسة شائعة عالميا. وهناك عدة معدلات فائدة مشهورة عالميا، وربما كان "ليبر" أشهرها، ويعني معدل الفائدة بين المصارف في لندن. وكل هذه المعدلات غير ثابتة بطبيعتها. لماذا تقترض المصارف فيما بينها؟ المصارف التجارية تستلم ودائع وتقوم بإقراضها بفائدة طبعا. لكنها مطالبة من البنوك المركزية كمؤسسة النقد أن تحتفظ بجزء من الودائع على هيئة ما يسمى احتياطي، أي أنه غير مسموح لها بإقراض الاحتياطي، وهذا من باب الاحتياط لسلامة النظام المالي في الدولة. عندما تقوم المصارف بإقراض ما زاد على الاحتياطي، فإنها تأخذ بعين الاعتبار حركتي الإيداع والسحب المستمرتين اللتين لا تتوقفان. ولذا تتفاوت المصارف في ظروف وفرة المال لديها كل يوم. فقد يتوافر في يوم من الأيام لدى مصرف مال يزيد على متطلب الاحتياطي، وفي الوقت نفسه يتوافر لدى مصرف آخر طلبات إقراض لا يكفيها المال المتوافر لديه. وهنا فرصة للمصرف الأول لإقراض المصرف الثاني ما يحتاج إليه ولو لساعات، وجني مال من وراء الإقراض. وقول بعضهم إن المصارف تقرض مما تقترض وليس من الودائع غير دقيق. العملية السابقة تتم وفق "السايبر" السائد الذي سبق شرح معناه. لكن "السايبر" غير ثابت. فهو عرضة لأن يتغير كل يوم. من يقرر المعدل؟ المعدل بطبيعته غير ثابت، وكان متروكا للقطاع المصرفي، وهذا يجر إلى مشكلة تعارض المصالح. إلا أن مؤسسة النقد اختارت أخيرا "تومسون رويترز" مديرا لاحتساب سعر الفائدة بين المصارف. هذا الاختيار يخرجنا من دائرة تعارض المصالح. لكن من المهم التنبيه على أن حدود تصرف "تومسون" ضيقة، فسعر الفائدة عندنا مرتبط بسعر الفائدة على الدولار بسبب سعر الصرف الثابت للريال بالدولار. الجانب الشرعي من المعروف أن مصارفنا اهتمت خلال السنوات الماضية بما اشتهر باسم المصرفية الإسلامية. وانصب الاهتمام على عقود الإجار المنتهي بالتمليك كأنسب أداة لتمويل تملك العقار، ولكن بمواصفات وشروط في العقود حتى تكتسب الشرعية. من الشروط أن تكون الأجرة معلومة علما نافيا للجهالة والغرر طيلة مدة العقد. نعرف أن الفائدة خفضت كثيرا خلال تلك السنوات لتحقيق أهداف وقتية بعينها. أي أن الخفض لم يكن مخططا له أن يستمر طويلا. وقد رأينا بدء رفعها عالميا. ومتوقع جدا استمرار هذا الرفع، ما يعني رفع معدل "السايبر" مستقبلا. وهنا ظهرت مشكلة ما يبدو أنه تعارض بين الفائدة المتغيرة والاشتراط شرعا أن تكون الأجرة معلومة. وأتوقع أن اللجان الشرعية في مصارفنا أجازت الربط بمعيار معلوم كـ "سايبر" و"ليبر". ولا أدخل في مزيد تفاصيل لضيق الحيز. ما المطلوب على المدى القصير؟ أكاد أن أجزم بجهل أكثر من 90 في المائة من الحاصلين على تمويل عقاري إجارة منتهية بالتمليك، بطبيعة "سايبر"، بل جهلهم بأكثر ما جاء في العقود التي وقعوها. الحاجة ماسة إلى إعادة ضبط وهيكلة على نحو ما لمن حصلوا على تمويلات عقارية بفائدة متغيرة، حيث تراعي جوانب كبيرة، مثل نسبة القسط للراتب ومدة التمويل وقدر الراتب. ولا أستبعد أن مؤسسة النقد قد بدأت بعمل إجراءات في هذا الجانب. من المتوقع وجود اعتراضات من المصارف على إعادة الهيكلة. ويمكن الوصول إلى حلول وسط، تساعد فيها ثلاثة أطراف: الدولة (ممثلة بعدة جهات على رأسها مؤسسة النقد وكل جهة حكومية أخرى لها علاقة بالتمويل العقاري السكني) والمصارف والناس. ونجاح هذه الحلول يعتمد في نظري على مراعاة ظروف كل طرف حاصل على تمويل عقاري مرتبط بتأمين سكن له، ومدى تأثره من زيادة قسطه. ويمكن وضع معايير موضوعية لهذا الغرض، بعد جمع المعلومات اللازمة. ما المطلوب على المدى البعيد؟ 1. إعادة النظر في نسبة القسط الشهري من الراتب، ليس وقت توقيع العقد فقط، بل طوال مدته. هذا يعني أخذ تغير "السايبر" في عين الاعتبار. 2. التفكير في تطوير بنية ادخار إسكاني شبيهة بما تطبقه دول كسنغافورة. هذا الادخار يسهل توفير ما يسمى بالدفعة المقدمة، ويقوي من استقرار النظام المالي. 3. وجود بناء استشاري قوي يشرح للناس وبلغة يفهمونها جميع أنواع وتفاصيل ومزايا وعيوب التمويلات العقارية. وينبغي أن تتعاون عدة جهات على رأسها المؤسسة والمصارف والقطاع الخاص ممثلا بالغرف في إيجاد هذا البناء. وهذا البناء ليس بجديد عالميا، ففي بريطانيا، على سبيل المثال، هيئة استشارية لها مئات المكاتب وتقدم مشورة للمواطنين. 4. زيادة قوة المنافسة بين المصارف وعلى رأسها تسهيل فتح مزيد من المصارف.

إنشرها