العمل كمصدر للإلهام والتحسين الذاتي

|

يغير من يسعى للحصول على زمالة مهنية محترمة في بداية حياته المهنية كثيرا من عاداته الاجتماعية. الإعداد للاختبارات مع وجود مسؤوليات أخرى يحتم على الشخص أن ينظم جدول حياته بطريقة مختلفة عن السابق، ما يجعله على سبيل المثال يزداد حرصا في اختيار المناسبة الاجتماعية التي يذهب لها. هناك كذلك من يستفيد بشكل كبير من مهارات إدارة المشاريع التي يستخدمها في عمله لإدارة مهامه الشخصية خارج العمل، فتجد أنه يبدأ في التعود على المراجعات اليومية وتحديث قوائم المهام وتوزيع الأدوار داخل الأسرة، يندر أن يحدث الأمر بطريقة عكسية. آخر استطاع تحسين صحته بالرياضة المستمرة وأصبح أكثر تنظيما في نومه ويومه بعد أن تأثر بوظيفته التي تتطلب لياقة نفسية وصحية عالية، ولو بحثنا عن الأمثلة سنجدها كثيرة حولنا.
دائما ما يتحدث مدربو تطوير الذات ومهندسو تحسين الإنتاجية حتى المخططون الماليون وغيرهم من المهتمين بتحسين الأداء الشخصي عن ضرورة الاهتمام بالجانب المعنوي للنفس البشرية. وربما تحصر الكثير من النصائح مسألة التغيير في المدخل الروحاني والنفسي، إذ تستخدم العواطف كأقوى وسيلة للتحفيز المتعلق ببدء واستمرار عملية التغيير نحو النجاح. وهذا أمر مقنع في الحقيقة لأن حتى من يمارس التغيير يشعر بشيء لا يمكن وصفه بسهولة ويبدأ استخدام كلمات مثل: "رغبة عارمة"، و"قوة تدفعني"، و"إحساس داخلي مختلف" حتى يصل إلى المرحلة التي يرى فيها أنه بدأ يقلل الفارق بين الواقع وعالمه الداخلي، أو بالأحرى يشعر بالتمازج بين هواجسه وممارساته. وعلى الرغم من اقتناعي بهذه الطريقة للنظر للأمر إلا أن التغيير لا يبدأ بالضرورة من الداخل دائما. بل إن استخدام البيئة والسياق كمصدر للإلهام ليجدد القدرة على التغيير قد يكون أفضل تأثيرا من انتظار عملية التغيير التي تبدأ من الداخل.
يقول روبرت جرين مؤلف كتاب 48 قانونا للقوة، إن العمل، وطريقة أدائنا للعمل، يمكن أن تشكل حافزا قويا ومؤثرا للتغيير الإيجابي. ويعود بذلك إلى خاصية موجودة في طريقة أداء معظم الأعمال. ترتبط هذه الخاصية بالروتين والانتظام الطبيعي الموجود في أعمالنا، إذ أن أداء المهام يتم تصميمه بطريقة تجعله طريقا ممهدا للتحسين والتغيير؛ وحتى إن لم يكن مصمما بهذه الطريقة، فمجرد القيام به بشكل متكرر يجعله يصب في قوالب معينة يمكن فهمها وإعادة تشكيلها وتحسينها. يشير روبرت جرين إلى تسلسل الإجراءات أو أسلوب المعالجة الذي تتسم به الأعمال وتفتقده سلوكياتنا خارج إطار العمل.
أعظم تحديات المحفزات الذاتية الداخلية هو صعوبة الحفاظ على نتائجها، وللسبب نفسه دائما ما نبدأ بالفكرة الطيبة التي تتحول إلى سلوك فعال ولكنه سرعان ما ينتهي ويتوقف قبل تحقيق الثبات والاستمرارية. لهذا يتحدث من يؤمن بأسلوب البدء من الداخل عن تحدي "بناء العادات" كشرط طبيعي لبث الحياة وتأكيد القيمة في السلوكيات الجديدة. استخدام العمل ومهام العمل يختصر هذا الطريق، حيث إن الخاصية المرتبطة بوجود إجراء قائم Process يمكن اتباعه وتقييمه وتحسينه تختصر كثيرا من التحديات التي تتجسد في الفوضى والتداخل والعشوائية خارج إطار العمل.
ولكن كيف يمكننا تنفيذ هذه التوصية بشكل عملي على أرض الواقع؟ المسألة بكل بساطة تتعلق بتوجه الاهتمام نحو الأداء في مكان العمل. أي النظر في الخطوات والمهام القائمة ومحاولة تحسينها بشكل شخصي وبمبادرة ذاتية. الرهان هنا على سهولة تقديم القيمة الجديدة في إطار العمل، وهذا سينعكس بدوره على الجانب الشخصي. يعمل هذا الأسلوب بطريقة معاكسة للأسلوب السائد. بدلا من أن نغير ذواتنا من الداخل ونبحث عن مصدر الإلهام الروحي الخفي الذي لا يمكن قياسه أو السيطرة عليه بشكل سهل ومحسوس الذي ننتظر منه أن يغير حياتنا، تكون البداية من مكان العمل واستخدام الإجراءات المحددة والمهام القائمة كأداة تنفيذ وإثبات للتغيير الذي ينعكس في نهاية الأمر على الذات ولياقتها ولاحقا، إنجازاتها.
مشكلتنا مع استخدام أماكن العمل لتحسين مستوى الأداء الشخصي في العمل - وخارج العمل - ترتبط بالتصورات المسبقة التي نحتفظ بها عن أعمالنا. يتم تصوير الوظيفة على سبيل المثال بمجموعة من القيود الإلزامية التي نمارسها ونرتبط بها ونحن مكرهون ومجبرون. وهكذا تطرد هذه التصورات الخاطئة، كالملل والشعور بالبشاعة من فكرة الاستمتاع بأعمالنا، فرصة التطوير الشخصي التي يمكن بناؤها بشكل واقعي وعملي وتجبر الممارس على انتظار فرصة التغيير المعنوي الداخلي المفاجئ التي قد لا تأتي أبدا.
يشكل اندماج ضغط العمل مع الروتين أفضل فرصة لممارسة المهارات التي يمكن الاستفادة بشكل مباشر، وتمنح فرصة تكرار الإجراءات آلية مباشرة لاكتساب العادات ونقلها من حيز لآخر، وهكذا يمكن الاستفادة من العمل إلهاما وتحفيزا لأنفسنا، وليس العكس.

إنشرها