لماذا نخشى ما تحمله بعض المفردات من معان؟

|

ربما لم نكن في وضع نخشى فيه كتابة أو قراءة أو سماع بعض الكلمات مثل الذي نحن فيه الآن.
في بداية حياتي الصحافية مراسلا لوكالات إخبارية عالمية، كانت لي تجربة مريرة مع انتقاء واستخدام الكلمات. أحيانا كان يأتيني ما يشبه التأنيب من المحرر المسؤول لإصراري على استخدام كلمة أو عبارة محددة رغم تنبيهي عدة مرات "إننا في هذه الوكالة لا نقول ذلك".
وليس كل كلمة ذات تأثير. أغلب المفردات بريئة، أي استخدامها تقريبا بأي شكل من الأشكال لا يغير في حيادية المعنى الذي تحمله.
المشكلة تكمن في ما نطلق عليه "اللغة المشحونة"، التي تحمل أكثر من معنى واستخدامها كمؤشر انحياز وتحزب؛ نغدق بواسطتها المديح لما نحن عليه وننتقص من الآخر المختلف عنا.
والخطاب الإعلامي مرتع لمفردات أو لغة مشحونة بالمعاني الثقيلة التي لها غايات محددة تستهدف شخصا أو دولة أو فئة أو مجموعة أو شعبا أو دينا أو مذهبا محددا.
ونخطئ كثيرا إن قلنا إن استخدام المفردات المشحونة خاصية تنفرد بها هذه اللغة دون أخرى، أو هذا الإعلام دون آخر أو هذا الحزب دون آخر.
كلنا عند تعلق الأمر باللغة المشحونة مذنبون، بمعنى أننا لا نتردد في اللجوء إليها إن كانت تستهدف ما نراه غريما أو عدوا أو منافسا.
وقائمة المفردات المشحونة التي يجترها الإعلام ليست طويلة. ولكن رغم محدودية عددها، فإن ثقل هذه المفردات وثقل المعنى المحشو في ثناياها ربما يوازي اللغة برمتها.
كلمات مثل "الإرهابي" و"المتطرف" و"الأصولي" تعد نموذجا مثاليا للغة المشحونة ويزداد وقعها السلبي عندما نخص فئة أو ثقافة محددة عند استخدامنا لها دون أخرى.
وتفشل أكثر الوسائل الإعلامية عراقة في تقديم تعاريف نظرية وعملية لمرادفات مثل هذه بحيث يتمكن العاملون فيها من الصحافيين استخدامها بصورة دقيقة وعادلة ونزيهة.
والسبب واضح. ما أراه أنا إرهابا قد يكون في نظر الآخر دفاعا عن الحرية. وما أراه أنا تطرفا قد يكون في نظر الآخر اعتدالا.
عند حضوري مؤتمرا في جامعة زيوريخ لإلقاء محاضرة عامة عن خطاب التعصب في الإعلام، مررت بحادث كاد يوقف شعر رأسي.
تحدثت بإسهاب عن التعصب في الإعلام العربي وأتيت بإطار نظري يقول كلما زاد قرب الإعلام من الحكومات والمؤسسة الدينية، زاد الشحن بأشكاله المختلفة. وأتيت بأمثلة كثيرة.
ومن ثم ذهبت إلى الإعلام الإسرائيلي وقلت إنه لا يختلف كثيرا عن الإعلام العربي في اتكائه على اللغة المشحونة والتعصب بأشكاله المختلفة.
وأتيت بأمثلة كثيرة أظهرت فيها أن ما يجتره الإعلام الإسرائيلي من تعصب ولغة مشحونة قد يفوق ما لدى الإعلام العربي أحيانا.
بعد نهاية المحاضرة في قاعة كبيرة ومكتظة بالطلبة والجماهير، دعاني أحد المسؤولين إلى مكتبه وقال لي: "ماذا فعلت؟ نحن لا نقول أمورا هكذا هنا".
قلت له: "ماذا تقصد؟ وأي أقوال في ذهنك".
قال: "عن إسرائيل نحن لا نستخدم لغة هكذا عند التحدث عن إسرائيل".
قلت له: "ماذا عن العرب؟ هل هذا جائز؟".
ومنذ ذلك الحين لم تدعني الجامعة هذه لإلقاء أي محاضرة أخرى.
نحن وقعنا اليوم، وفي عصر الرقمنة، في فخ "قل ولا تقل". ولكن حتى هذا الموقف الخطابي صار فيه كثير من الشحن لأن "قل" ما تشاء بشأن هذا وبغض النظر إن كانت اللغة مشحونة أم لا، ولكن لا يحق لك أن تقول ما تشاء عندما يتعلق الأمر بذاك.
ويصل الشحن اللغوي في الإعلام درجة استخدام تسميات (مفردات) تدلل على الأديان أو المذاهب بطريقة مشحونة. كلمة "الإسلام" صار لها ثقل كبير يشحنه بعض الخطاب في الغرب كي يخرجه من براءته. وأصبحنا اليوم نتحدث حتى بالعربية عن "الإسلاميين" بطريقة مشحونة.
وهكذا الشأن مع كلمة "الجهاد" التي أصبحت مشحونة بمعان سلبية في الغرب وصارت لها أبعاد سلبية حتى لدى الإعلام العربي حيث بات يستخدم مفردة "الجهادي" أو "الجهاديون" اقتباسا وإعارة بمعانيها المشحونة من الغرب.
الضعفاء في الغالب يقعون ضحية الشحن اللغوي المضاد لهم بدليل اقتباسهم مفردات مشحونة تستخدمها النخبة ضدهم ومع ذلك يتداولونها وكأنها تعابير رحيمة محايدة لا شحن فيها وهي في الواقع ليست كذلك.

إنشرها