التصدي للفساد بسلاح الوضوح «1 من 2»

|

إن هذا الطرح مهم. لماذا؟ لأن التصدي للفساد يتطلب منا اعترافا صريحا بالمشكلة وقياس تأثيرها بأدق صورة ممكنة. لذلك فإن صناع السياسات وقادة الأعمال وخبراء المجتمع المدني يمثلون خطوة في الاتجاه الصحيح.
وعندما أتحدث عن الفساد، دائما ما أتذكر تلك اللحظة الشهيرة من فيلم كازابلانكا Casablanca عندما يغلق الكابتن رينو صالة القمار في مقهى ريكس. حينها قال "أنا مصدوم، مصدوم أن أجدكم تسمحون بممارسة القمار هنا" ــــ وهو ما لم يمنعه بالطبع من أن يدس في جيبه نصيبه من الأرباح قبل مغادرة المقهى.
ولكننا نحن لا نشعر بالصدمة ـــ فنحن نعلم أن الفساد مشكلة ونسعى لإيجاد حل لها. وهذا هو سبب اجتماعنا هذا الصباح.
وأود البدء بالإجابة عن ثلاثة أسئلة كثيرا ما نسمعها في سياق عمل صندوق النقد الدولي والعمل المعني بمكافحة الفساد. أولا: ما تعريف الصندوق للفساد؟ ثانيا: لماذا يشارك الصندوق في جهود مكافحة الفساد؟ ثالثا: ما الإجراءات الأخرى التي يمكن للصندوق اتخاذها لمساعدة البلدان الأعضاء على مكافحة الفساد؟
1 - ماذا نعني بالفساد؟
الصندوق، على غرار المنظمات الدولية الأخرى، يعرف الفساد العام بأنه "استغلال الوظيفة العامة للحصول على مكاسب خاصة".
ولكن ما معنى هذا من الناحية العملية؟ نعلم جميعا أن الفساد مشكلة معقدة غالبا ما تنطوي على أطراف عديدة تعمل في الخفاء.
وحسبنا أن ننظر في مثال واحد ـــ وهو الرشوة في الصناعات الاستخراجية.
نعم، قد يطلب الرشوة مسؤول محلي، وقد يعمد وزير إلى غض الطرف، لكن ماذا عن الشركة التي تقدم الرشوة؟ لا شك أنها متورطة في هذه الصفقة غير المشروعة أيضا.
ففي نهاية المطاف، أي رشوة يقبلها طرف لا بد أن تكون مقدمة من طرف آخر.
لذلك نساعد بلداننا الأعضاء على مكافحة الفساد في القطاع العام، ونلتزم في الوقت نفسه بالنظر إلى الأطراف الفاعلة في القطاع الخاص عبر الحدود التي تؤثر في موظفي القطاع العام. فالأطراف الفاعلة في القطاع الخاص قد تساعد على نشأة الفساد بطرق مباشرة كالرشوة، ولكنها يمكن أيضا أن تسهل الفساد بطرق غير مباشرة مثل غسل الأموال والتهرب الضريبي.
وهناك مثال شهدناه أخيرا، وهو "وثائق بنما" التي تبرز أهمية دور الأطراف الميسرة للفساد وتؤكد إمكانية تسلل الفساد خلسة عبر الحدود.
وحتى يكون منهجنا فعالا، يجب أن يراعي معطيات الواقع العملية المرتبطة بالمشكلة وأن يستهدف الكشف عن أبعاد الفساد الكثيرة والمختلفة.
2 ـــ لماذا يشارك الصندوق في مكافحة الفساد؟ ولماذا الآن؟
يقودني هذا إلى السؤال الثاني. لماذا طُلب إلى الصندوق عمل المزيد لمكافحة الفساد؟ ولماذا الآن؟ والإجابة هي أن هناك توافقا متناميا بين البلدان الأعضاء على أن الفساد قضية مؤثرة في الاقتصاد الكلي في كثير من البلدان.
وبفضل جهود بعض الحاضرين في هذه القاعة، بات من الواضح أن الفساد النظامي يضعف قدرة الدول على تحقيق النمو الاحتوائي وانتشال الشعوب من دائرة الفقر. الفساد قوة هدامة تجرد النشاط التجاري من حيويته وتضعف الإمكانات الاقتصادية في البلدان المتأثرة.
وتراوح التكلفة السنوية للرشوة ـــ وهي شكل واحد فقط من أشكال الفساد ـــ بين 1.5 تريليون وتريليوني دولار أمريكي ـــ أي 2 في المائة تقريبا من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وهذه التكاليف هي "قمة جبل الجليد" فقط ـــ أما الآثار طويلة الأجل فهي أعمق بكثير.
تصوروا مثلا أن حكومة ما تنفق من أموال دافعي الضرائب لبناء مركز مؤتمرات جديد وفاخر ولكنه غير ضروري، بينما تهدف في الحقيقة إلى تمرير الرشا من خلاله.
وبعد مرور عام على بداية أعمال البناء، يتبين أن أموال الخدمات الاجتماعية المحفوظة في الخزائن العامة لم تعد متاحة للمستفيدين الأصليين.
وبمرور الوقت، يؤدي تحويل الأموال من قطاع التعليم أو الرعاية الصحية إلى استمرارية عدم المساواة، كما يحد من فرص توفير وظائف بأجور أعلى وتهيئة حياة أفضل.
ومع اكتساب هذا الفساد طابعا مؤسسيا، يزداد انعدام الثقة بالحكومة ويضعف قدرة البلد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
والنتيجة هي حلقة من الآثار السلبية المرتدة يصعب الخروج منها.

إنشرها