الاقتصاد الشعبوي

|

ربما كان مفهوم "الشعبوية" غائما نوعا ما على المستوى العام، يتم الخلط بينه وبين "الشعبية"؛ أي تلك الصفة التي إما تشير إلى الأعراف والتقاليد والسمات المحلية، أو تلك المعزوفة التي رافقت المزاعم اليسارية في الانحياز إلى جماهير الشعب التي لم تذق من تلك المعزوفة إلا استبدادا وخزيا خانقا وبؤسا تكشفت مظاهره ومخابره بعد انهيار المعسكر الشرقي.
أما "الشعبوية"، فهي نزعة انتهازية تستهدف دغدغة مشاعر العامة بإيهامهم بتبني رؤاهم ومفاهيمهم في إدارة الاقتصاد وتحقيق الرخاء بضربة سحرية هي في الواقع مجرد عبارات نظرية تخادع وتتستر على مصاعب صناعة اقتصاد قادر على أن يهبط بالرخاء بمجرد مجيء هذا الزعيم السياسي أو ذاك.
هذا لا يعني أن ما يتطلع إليه الناس وما يهجس في ظنونهم ليس مما لا مبرر له أو لا يحمل هما حقيقيا.. بل هو يعني أن هواجس وتطلعات الناس الاقتصادية الحقة تغيب عنها معطيات الواقع وإمكاناته من ناحية، كما تغيب عنها صعوبة ضمانة الوصول إلى سياسات اقتصادية تحقق الأهداف مهما كانت هذه السياسات ناهضة على دراية علمية وتشخيص دقيق للواقع.. ذلك أن الاقتصاد اليوم، إضافة إلى ما سبق، لم يعد يتحرك بمعزل عن الحراك العالمي والعلاقات الدولية الاقتصادية المعقدة والمؤثرة في مفاعيل السياسات الاقتصادية التي يتبناها بلد من البلدان لتحقيق خططه الاقتصادية حسبما يتطلع إليه ويرغب فيه.
من هنا يمكننا أن نقارب ما يثار في فضاء التواصل الاجتماعي وفي بعض المقالات من آراء تتعلق ببناء اقتصادنا الوطني.. فنجد أن ثمة قدرا من الانزلاقات الحالمة التي تتكئ على رصيد من الخطاب الإنشائي دون وعي لمكونات الاقتصاد وللأدوات الفنية والبشرية ولاستحقاق المدة الزمنية للاثنين معا لكي تكون المخرجات ناجزة منجزة.. فالذين يراهنون على ثروة النفط أو على وفرة التمويل وأنهما بإمكانهما تحويل المستحيل إلى واقع، يقولون ذلك فيما كامل المشهد ليس واضحا في الأذهان بكل ما يعنيه هذا المشهد من تمويل لخدمات التنمية في كل القطاعات التي تمثلها الوزارات والمؤسسات والهيئات المنظمة لفعاليات القطاع الخاص ناهيك عن الإطار الأساسي والاستراتيجي الحارس للمواطن والوطن ممثلا بسائر قطاعات الأمن والجيش والعلاقات الخارجية.
هذا التمويل الهائل والمستمر لخدمات التنمية يتصل بالإنشاءات والتجهيزات والصيانة والتشغيل وبرواتب ملايين العاملين فيها.. إنه اقتصاد حيوي يشكل أسس ما يتطلع إليه الناس من تغير جوهري قوي في المجال الاقتصادي على نحو إنتاجي يدر قيما مضافة كثيفة، حيث تلك الخدمات تمثل شروطها المسبقة والضرورية، وهي أيضا المجال الحيوي للترقي برأس المال البشري بمهارات عالية نوعية، لا يكون من دونها انتقال والتحول إلى تلك الهواجس النظرية.
إن الأفكار الاقتصادية الشعبوية هي تصورات وتهيؤات لواقع مأمول، غير أنها في الواقع غالبا ما تكون أسيرة أحلام اليقظة، لأن المسألة ليست ممكنة الحدوث بالسرعة وبالصورة المتخيلة مهما كانت اللهفة والتطلعات العامة نبيلة، فإعداد رأس المال البشري وترقيته لمقابلة هذا التطلع هو تخطيط وعلم وتقنية، بوسع المال والنفط أن يضخا فيه ما يجعله يكرس مثابرته لتحقيق التطلع، إنما مع ذلك سيبقى ذلك، شئنا أم لم نشأ، منوطا بزمن يستهلكه إنتاج مثل هذا الرأسمال البشري النوعي.. ولذلك لا تقف القيادة السعودية منتظرة حصاد ما تزرعه اليوم في تأهيل هذا النوع من الرأسمال البشري النوعي ولكنها تستثمر المهارات والخبرات العالمية محاولة حرق المراحل في الانتقال بالسعودية من تنمية خدمية إلى تنمية إنتاجية.. واضعة نصب عينيها أن الرأسمال البشري النوعي السعودي ينبغي أن يجد أمامه منجزات في الميدان تسعى الدولة لإقامتها في صروح صناعية وتقنية، لكي يتموضع هذا الرأسمال البشري الوطني فيها حالا محل خبرات وافدة أدت مهامها مشكورة مقدرة وعليهم كأبناء وطن أن يتولوا المهام، ليس فقط للقيام بما كان يقوم به أولئك وإنما لكي يسيروا بها أشواطا إلى حيث الجديد والإبداع والابتكار.
من هنا يمكننا القول إن "جرعة" من الشعبوية الاقتصادية لها فعل المحفز والمنشط، لكن المبالغة في الجرعة من أفكار الاقتصاد الشعبوي مثلها مثل المبالغة في جرعة الدواء، لها أثر سلبي قد تسمم متعاطيها، كما أن السرحان مع أفكار الاقتصاد الشعبوي يسمم الذهن بخيال يحجب عن الواقع ويقطع عليه الطريق إلى المنطق.

إنشرها