عام دراسي جديد .. وآمال عريضة

|

أطل عام دراسي جديد نأمل أن يكون خطوة في سبيل البناء، والنمو، والتطور الذي ننشده، رفعة لبلادنا وأمتنا، إذ لا مكان لأي أمة في هذا العالم ما لم تأخذ بناصية العلم، وتوفر نظاما تعليميا تتحقق له جميع الإمكانات المادية والبشرية، ولا يساورني شك في أن الجميع في الأسرة التعليمية في جميع المراحل، وفي الوزارة، وفي الميدان يبذلون من الجهود الكثير، طمعا في تحقيق ما يتطلع إليه المجتمع ليجده متجسدا في أبنائه بصورة معارف، ومهارات، وقيم، ومشاعر، واتجاهات إيجابية، وشخصيات مستقيمة متزنة.
تصريحات المسؤولين في الجهاز التعليمي تؤكد استكمال الاستعدادات، وتوفير التجهيزات كافة، خاصة الكتب الدراسية، واستكمال وصولها للإدارات التعليمية، لتكون في أيدي الطلاب مع بداية العام الدراسي، وما من شك أن نجاح الوزارة في هذا الأمر إن تحقق فهو إنجاز يحسب لها، بدلا من الانتظار الطويل الذي عاناه بعض الطلاب في سنوات خلت.
لفت انتباهي وأنا أتابع أخبار التربية والتعليم خبر مفاده أن الوزارة أكدت على المدارس بصورة الإلزام ضرورة سد العجز في المعلمين، وفق آلية محددة، تتمثل في التأكد من اكتمال النصاب التعليمي لكل معلم، الذي يبلغ 24 حصة أسبوعيا، إضافة إلى تكليف من يقومون بأعمال إدارية، ويشغلون وظائف تعليمية بالتدريس، إسهاما في سد العجز في المعلمين، كما أن الآلية أشارت إلى دمج الفصول كلما كان ذلك ممكنا.
تأملت في الخبر، وما تضمنه من آلية لسد العجز في المعلمين، وكررت قراءة الخبر لأتأكد من فهمي الدقيق فأدركت أن الوزارة تعلم بوجود النقص في المعلمين مسبقا، وفي أي منطقة، وأي مدرسة، ولا يمكن تصور عدم معرفتها بهذا الأمر، مع التقنية الحديثة التي تحفظ البيانات، وتحللها في دقائق، لذا جاء التأكيد على الالتزام بالآلية المذكورة. إزاء موضوع الدمج ألح سؤال: هل نحن في حاجة لهذه الآلية لترقيع واقعنا التعليمي، ونحن نزخر بخيرات جليلة، أنعم الله بها على بلادنا، كما أن الخريجين والخريجات المؤهلين تربويا وتخصصا ينتظرون تعيينهم، والبعض منهم انتظروا لسنوات، ليسهموا في نهضة بلادهم من خلال مهنة التعليم؟
تابعت أخبار الإعلان عن الوظائف التعليمية للرجال والنساء، ولفت انتباهي تأخر الإعلان حتى بداية شهر ذي الحجة للنساء، والرجال ابتداء من 20 ذي الحجة، وتساءلت لماذا هذا التأخير في التعيين؟ هل الهدف التوفير في الرواتب، أم أن تدقيق المعلومات ومعالجتها يأخذ هذا الوقت الطويل، وكلا الأمرين لا يمثلان عذرا مقبولا. وزارة التعليم ليست مسؤولة عن هذا التأخير بالكامل نظرا لارتباطها بجهات أخرى كوزارة المالية، ووزارة الخدمة المدنية، إذ إنهما اللتان تعتمدان الوظائف وتخصصان الأموال لها وهذا لا يبرر إطلاقا التأخير، فمتى يوجه المعلمون والمعلمات لإدارات التعليم؟ ومتى يوجهون للمدارس؟ ومتى يتمكن المعلم والمعلمة من التوجه والانتقال إلى المدرسة الموجه لها عندما تكون خارج منطقة سكنه؟ وهل تغيب هذه الأمور على المعنيين وذوي العلاقة؟!
الاستعداد ليس تصريحا يطلق، بل فلسفة عمل شاملة تتوافر لها أنظمة، وأساليب عمل وإجراءات ومتابعة ومحاسبة وفريق عمل مؤهل، وفوق هذه شعور بالمسؤولية من جميع من يعنيهم الأمر، إذ لا يمكن الاطمئنان إلى مصداقية التصريح، ووسائل التواصل الاجتماعي تذكر أن مدرسة ابتدائية في إحدى المدن وفي حي كبير ابتدأت بثلاثة معلمين. كذلك مما تم تناقله انهيار سقف كلية في إحدى المدن بسبب مضخات المياه، والسؤال هل هذا استعداد؟ وكيف وضعت المضخات على السطح، أم أن السطح نفذ بشكل غير فني؟ وفي كلتا الحالتين يتأكد الخلل، وأن أحدا لم يقم بواجبه كما يجب إما مهندس، أو قائد مدرسة، أو من نفذ المبنى المدرسي ومن أشرف على التنفيذ.
"رؤية 2030" رافعتها الأساسية التعليم، والتعليم المتقدم، ومن يقل خلاف ذلك يعارض سنن الحياة والمنطق والتجربة، فما من مجتمع متقدم بلا تربية متقدمة، وما من مجتمع متخلف إلا لتخلف تعليمه وتربيته، ولذا لا بد من مراجعة فلسفة عملنا، وتمحيص الإجراءات وطرق العمل، والتخلص من البيروقراطية القاتلة داخل الوزارة أو في الجهات ذات العلاقة، وبالأخص وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية، إذ لا يمكن إخضاع التعليم لإجراءات روتينية عقيمة.
"رؤية 2030"، وإن كان جوهرها اقتصاديا إلا أن التعليم ركيزتها الأساس، فهو الذي يخرج الاقتصادي الناجح، والمدير المالي المتميز، والمحلل العميق، والتاجر ذا الرؤية الثاقبة، والصناعي الماهر، ودون هؤلاء، وغيرهم لن نحقق أهدافنا السامية لمجتمع قوي، ومنافس على الساحة الدولية.

إنشرها