السعودية ودول «البريكس» .. ودراسات نحتاج إليها

|

عقدت دول "البريكس"، في مطلع هذا الشهر، أيلول (سبتمبر) 2017، مؤتمر قمة في الصين غايته تعزيز التعاون فيما بينها ككتلة اقتصادية مؤثرة في العالم وقابلة للتوسع وضم دول أخرى. هذه الدول هي: البرازيل Brazil، وروسيا Russia، والهند India، والصين China، وجنوب إفريقياSouth Africa؛ وبجمع الأحرف الأولى من أسمائها، يطلق على هذه الدول لقب دول "البريكس" BRICS. تتوزع هذه الدول على أربع قارات، ويمثل عدد سكانها أكثر من "40 في المائة" من سكان العالم، وتحمل طموحات اقتصادية كبيرة في تنمية قدراتها، والوصول إلى وضع اقتصادي يؤهلها لمنافسة دول المجموعة الملقبة بـ G 7، وهي: الولايات المتحدة USA، وبريطانيا UK، وكندا Canada، واليابان Japan، وألمانيا Germany، وفرنسا France، وإيطالياItaly.
في عام 2015، وفي ضوء اهتمامي المشترك مع الزميل العزيز الدكتور عبد القادر الفنتوخ بقضايا المعرفة والتنمية، والنظر إلى طموحات دول "البريكس"، وتطلعات المملكة، رأينا معا القيام ببحث يرصد البيئة المعرفية في هذه الدول، وفي المملكة، وذلك بهدف التعرف على مجالات التعاون المعرفي الممكنة بينها. وغاية هذا المقال هي إطلاع القارئ الكريم على معطيات هذا البحث، خصوصا مع تزايد نشاطات دول "البريكس" من جهة، ومع بروز طموحات المملكة وتطلعاتها المستقبلية من جهة ثانية.
تضمن البحث ثلاث مراحل رئيسة نحاول توضيحها فيما يلي. اهتمت المرحلة الأولى بإيجاد تعريف للبيئة المعرفية من خلال معايير ومؤشرات محددة ومتوافرة لجميع الدول كي يمكن من خلالها تحديد خصائص هذه البيئة لكل من الدول ذات العلاقة. وقد تم تنفيذ هذه المرحلة من خلال دراسة الأدلة والمؤشرات الدولية التي تهتم بقضايا المعرفة والتنمية. وشمل ذلك النظر في مؤشرات أربع مصادر رئيسة هي: دليل الابتكار العالمي GII؛ ودليل التنافسية العالمي GCI؛ ومقاييس مجتمع المعلومات الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات ITU؛ إضافة إلى قاعدة بيانات البنك الدولي WB Database.
قدمت نتيجة المرحلة الأولى صورة للبيئة المعرفية تستند إلى 28 مؤشرا دوليا تتوزع على أربع مجموعات: مجموعة ترتبط بالتعليم ونشر المعرفة ولها ثمانية مؤشرات؛ وأخرى تركز على البحث العلمي وتوليد المعرفة وتوظيفها وتتضمن سبعة مؤشرات؛ وثالثة تختص بأثر المعرفة في التنمية وتشمل ثمانية مؤشرات؛ ورابعة تركز على الشراكة المعرفية عبر تقنيات المعلومات والاتصالات ولها خمسة مؤشرات.
توجهت المرحلة الثانية بعد ذلك نحو توحيد طريقة التعبير عن المؤشرات، وذلك من أجل تقديم توصيف متجانس للبيئة المعرفية لكل دولة، وتمكين المقارنة والنظر في فرص التعاون. وقد تم في هذا الأمر اعتماد الدولة الأفضل في العالم لكل مؤشر كمرجعية دولية للتعبير عن قيمة المؤشر النسبية للدولة المعنية. وفي تمكين مقارنة كل مؤشر من مؤشرات المملكة بمقابله في دول "البريكس"، جرى تقسيم فروق قيم المؤشرات، سواء فروق التقدم أو التراجع، إلى خمسة مستويات تعبر عن مدى الفجوة بين الطرفين وفرص التعاون بينهما.
ونأتي إلى المرحلة الثالثة وهي المرحلة التطبيقية، وتقضي بتحديد قيم المؤشرات للمملكة ولكل من دول "البريكس" من أحدث إصدارات المراجع المحددة، ثم التعبير عنها بالطريقة الموحدة، إضافة إلى تقييم مستويات التفوق أو التراجع بين المملكة ودول "البريكس" في كل من المؤشرات المعرفية المطروحة.
تشير نتائج البحث إلى تفوق المملكة على جميع دول "البريكس" الخمس في حصيلة مجموعتين من المجموعات الأربع لمؤشرات البيئة المعرفية، وهما: المجموعة الخاصة بالتعليم ونشر المعرفة؛ والمجموعة المتعلقة بالشراكة المعرفية عبر تقنيات المعلومات والاتصالات. وتتميز هاتان المجموعتان بدورهما المهم في تمكين المعرفة في المجتمع، وتأهيل أبنائه، وتفعيل إمكاناتهم في العمل على بناء مجتمع معرفي متطور، وقادر على العطاء، وعلى تعزيز التنمية، ودعم استدامتها.
وإذا نظرنا إلى مجموعة البحث العلمي وتوليد المعرفة وتوظيفها نجد أن جميع دول "البريكس" متفوقة على المملكة عدا الهند القريبة منها. ويأتي ذلك على الرغم من الارتفاع النسبي للمملكة في جانب مؤشرات تمكين القيام بالبحث العلمي. وفي مجموعة أثر المعرفة في المجتمع والاستفادة منها، تبدو الصورة في مصلحة دول "البريكس" أيضا، على الرغم من تقدم المملكة النسبي في بعض مؤشرات هذه المجموعة.
وإذا كان من خلاصة لهذه النتائج، فلا بد من ملاحظة أن ارتفاع التمكين المعرفي في المملكة بالنسبة لدول "البريكس"، يصاحبه انخفاض غير متوقع للعطاء المعرفي، بالنسبة لهذه الدول. وقد يعود السبب إلى أن التمكين المعرفي لا يستغل بالقدر الكافي في توليد المعرفة وتوظيفها والاستفادة منها؛ أو ربما يعود إلى ضعف كفاءة التمكين المعرفي المعطى؛ أوقد يرتبط السبب بضعف إدارة التعامل مع توليد المعرفة وجني الفوائد منها. ويمكن الاهتمام في هذا المجال بإجراء دراسات حول ما فعلته دول "البريكس" المختلفة كي تقدم عطاء معرفيا أكبر، بتمكين معرفي أقل. وعلينا أن نتذكر في هذا المجال أن التمكين المعرفي المطلوب يجب أن يهتم بالمعرفة الحية القابلة للتطبيق والإسهام في التنمية وتعزيز استدامتها.
ويمكن بالطبع الاطلاع على تفاصيل النتائج من خلال العودة إلى البحث واستعراض قيم جميع مؤشرات المجموعات الأربع، البالغ عددها 28 مؤشرا، من أجل المملكة وجميع دول "البريكس"، ومراجعة المقارنات التي جرت بشأنها، إضافة إلى ما تم التوصل إليه من أجل كل مؤشر. ويمكن أيضا القيام بأكثر ذلك، أي القيام بتحديث بيانات المؤشرات وإجراء المقارنات والتقييم على أساسها بدل الاعتماد على بيانات 2015 المعطاة في البحث. والبحث منشور في "المجلة الدولية لبحوث مجتمع المعرفة IJKSR، الصادرة عن دار النشر IGI، المجلد 7، العدد 3، الصادر في تموز (يوليو) عام 2016.
وفي الختام، لعله من المناسب التوصية بإجراء دراسات في واقع المملكة المعرفي والتنموي مقارنة بدول أخرى، وخاصة الدول الطموحة، والتعرف على الاختلافات القائمة، والاستفادة من خبرات الآخرين في العمل على التطوير والتنمية. ونعود في هذا المجال إلى ما أوردناه في مقالات سابقة حول ضرورة قيام الجامعات بإنشاء مراكز تفكير Think Tanks، في مختلف المجالات، تدرس واقعنا وتنظر من حولنا وتهتم بطموحاتنا، لتنير بذلك الطريق أمام مسيرة المستقبل.

إنشرها