ثقافة وفنون

ورش الكتابة .. صناعة «النجم» وإغفال الموهبة

كثيرا ما نقرأ أو نسمع عن دورات أو ورشات لتعليم فنون الكتابة وتقنيات الإبداع، وزادت الإمكانيات التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي من تكريس هذه الموضة، وانتشار عدوى الظاهرة؛ فيكفي أن تضع خروبة من الكلمات والأسطر في صفحة شخصية في إحدى شبكات التواصل الاجتماعي أو في موقع شخصي، ثم تحصي بعد ذلك عدد المشاهدات والمشاركات والتعاليق والإعجابات، التي توزَّع عادة بلا أي معيار أو سند، أو في أحسن الأحوال كدلالة على تسجيل الحضور أو مجاملة من هذا الصديق أو ذاك ممن لا يفقه حديثا فيما كُتب، ليصبح صاحبها؛ ممن تلقى أوليات الكتابة في هذه الدورات، أديبا ألمعياً وقاصا نوعياً ومبدعا فذاً.
من مفارقات ورشات "صناعة المبدعين" جهل غالبية خريجيها بالحدود الدنيا من المعارف، في المجال الإبداعي الذي يدعي الواحد منهم الانتماء إليه قسرا، بعد شحنه بمتوالية من التقنيات الشكلانية في قوالب تطبيقات وخطاطات أنسب ما تكون لتركيب آلة ميكانيكية أو تشييد بناء عمراني منها إلى كتابة قصة أو متن روائي أو نص أدبي.
يدافع أنصار مسألة تعليم وتعلم الكتابة الإبداعية، التي بدأت تغزو الأوساط الأدبية في العالم العربي، عن هذا التوجه باقتصار أهدافه على منح "مبدع المستقبل"؛ أي المشارك، الأدوات اللازمة لاكتشاف صوته الخاص، وتطوير أسلوبه، وامتلاك التقنيات بصرف النظر عما سينتجه بعد امتلاك أدواته. فهذا التوجه يضيف أحدهم؛ أبعد ما يكون عن أن يفرض على المتعلم أي شكل أو أسلوب للكتابة.
تبقى الكتابة - من وجهة نظرهم دائما - عملا، شأنها شأن أي عمل إنساني آخر، بحاجة إلى ممارسة وانتظام وتأمل وتطوير. فبحسبهم قد يتخرج من ورشة النجارة نفسها متدربان، أحدهما يبقى طول مسيرته المهنية يكرر ما يراه، ويطمئن لاحتياج الزبائن إليه. والآخر يستخدم نفس الأدوات، ويتعلم نفس المبادئ، غير أنه يمضي لاختراع تحف لا نظير لها، بل يكشف أيضا حيله وأساليبه الخاصة بعد فترة.
يبدو أن "صناع المبدعين" ينسون أن الإبداع الأدبي؛ في البدء والمنتهى، لا بد أن يعتمد في الأساس على الموهبة والفطرية والسليقة. وأن هذا النوع من التوجيه والإرشاد، قد يشوش على تجربة المبدع العفوية الحرة. فكل طفل يولد فنانا؛ كما قال بابلو بيكاسو، لكن المشكلة هي كيف نحتفظ بهذا الفنان بينما يكبر.
صحيح أنه لا يوجد فن غني عن التدريب لممارسته، من العزف الموسيقي إلى التمثيل، مرورا بالغناء والرقص. هذه حقيقة يكاد يقوم الإجماع حولها، لكن لا أحد يستطيع أن يلغي دور الموهبة، وأثر التجربة الذاتية بهذا الشأن. ألم يقل الكاتب الأرجنتيني بورخيس إن "الكتابة ليست إلا حلما موجَّها".
الادعاء بأن الفرد ليس بحاجة إلى موهبة لممارسة أي نوع من الفنون، أو حتى بعض المهن التي تحتاج إلى مهارات خاصة، مجانب للحقيقة والصواب. أغلب الظن أن الكاتب، أي كاتب بالفعل أو بالقوة، له نصيب من الموهبة الكامنة كانت تنتظر اللحظة المناسبة للظهور أو من يرعاها كي تتطور وتصقل قصد مزيد من التميز.
هنا فقط يمكن لمثل هذه الورشات أن تفيد، ويصير بمقدورها تقديم إضافة إلى هؤلاء المبدعين. أما المزايدة في ادعاء القدرة على صناعة الأدباء من العدم، وإسقاط عالم الفنون والآداب على الحرف اليدوية والمهن الأخرى، لهو أكبر دليل على جهل هؤلاء بعوالم الإبداع والكتابة الأدبية التي يصنع كل أديب فيها لنفسه طقوسا خاصة عند الإقبال عليها.
هنا فقط يجوز لهؤلاء أن يتحدثوا عن لمستهم، لا محيد عن الإقرار أنه لا توجد ورشة أو دورة ـ أو حتى كتاب أو موسوعة ـ يمكنها أن تصنع كاتبا من نقطة الصفر، أقصى ما يمكن تحقيقه أن تمد له طرف الخيط، وتبين له الاتجاهات الأساسية. بمعنى أن تمنحه وصلة هادية، حتى لو استغنى عنها بعد وقت وآثر الإبحار في المجهول.
ولا شيء غير هذا الإبحار؛ وبشكل فردي، يمكنه أن يصنع مبدعا. إنه ممارسة فعل الكتابة ذاته؛ أي النزول إلى البحر، ومناوشة الموج، يوما بعد آخر، وسطرا بعد سطر، حتى يصنع الكاتب أسلوبه. وقد عبر بيلي كولينز عن ذلك مبكرا بقوله "يصل الكاتب منا إلى أسلوبه بتعلم ما ينبغي حذفه؛ في البداية نميل إلى الإسهاب في الكتابة، نميل إلى زخارف اللغة بدلا من الرؤية والبصيرة، فإما أن تستمر في كتابة لغو فارغ، وإما أن تتغير. وفي سياق عملية تبسيط المرء لنفسه يكتشف ما يسمى بـ "صوته الخاص".
إن "الكتابة لعبة ممتعة، لكن تجب ممارستها بمنتهى الجدية"، واحدة من القواعد الحِكميّة التي يرفض هؤلاء ومن على دربهم الاعتقاد بها، لأن مخرجات مثل هذه الورشات لن تكون سوى أنماط ثابتة، ونماذج معلبة من الكتابة الإبداعية، خاصة تلك التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي اللحظي، بدعوى التفاعل والاستجابة لما يطلبه الجمهور.
وعن مشكلات المحاكاة تلك عبر الروائي جون براين أفضل تعبير، حين قال "إذا كان لصوتك أن يسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئا بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمت تجربتك الخاصة صادقا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون