في البكاء شفاء

|
في الشرق عامة ومجتمعنا العربي خاصة هناك عداوة وحرب شرسة ضد البكاء والدموع، حيث يعتبرونهما عند الرجل ضعفا وقلة حيلة وحبسه قوة وعند المرأة سلاح ووسيلة للخداع، بينما في الواقع البكاء وذرف الدموع آية من آيات الله -عز وجل-، مثله تماماً مثل الحياة والموت والخلق، فهو القائل سبحانه: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)، فهو سبحانه الذي خلق البكاء وسبب له الأسباب، وجعله ظاهرة نفسية عامة ومشتركة لدى جميع البشر على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم ومذاهبهم وبيئاتهم، فالبكاء لغة عالمية لا تختلف باختلاف الألسن أو الثقافات أو البيئات، فالجميع يبكون بالطريقة نفسها وللأسباب نفسها غالبا. والدموع رفيقة البكاء والمعبر عنه مثل الكلمات في اللغات، تفرز أعيننا في اليوم 250 مليلترا من الدموع، أي ما يعادل 135 لترا في السنة الواحدة. ورغم أن للدموع وظيفة فسيولوجية مثل ترطيب العين وتسهيل حركتها وزيادة مقاومتها للعدوى، إلا أن لها أيضاً وظيفة نفسية لا تقل أهمية، فالخبراء النفسيون ينصحونك بالبكاء، وأن تترك العنان لدموعك تنهمر على خديك عند تعرضك لمواقف نفسية صعبة أو توتر عصبي شديد، فالدموع تجلب الراحة النفسية وتساعد على إزالة التوتر وتخفف من الضغط العصبي على الإنسان. وفي بحث قامت به جامعة "ميتسونا" توصلوا إلى أن الدموع أفضل وسيلة للتخلص من المواد الكيماوية التي يفرزها الجسم أوقات التوتر والقلق والحزن والغضب، يقول الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز: "إن البكاء يوسع الرئة ويغسل الملامح ويدرب العيون وغالبا ما يهدئ المزاج، فابكِ كما تريد". فالله وهب الدموع للرجال والنساء على حد سواء، وجعل في انسيابها راحة للنفس والقلب وتفريغا للشحنات السامة التي تنتج عن التوترات النفسية والعاطفية ووسيلة لاستعادة الهدوء النفسي وإراحة الأعصاب حتى وإن لم تتغير الأوضاع، وفي حبسها وكتمها تسمم بطيء ولولاها لمات الإنسان كمدا. ولأهمية الدموع جسديا ونفسيا ظهر علم جديد أطلق عليه "علم الدموع" عقد أول مؤتمر طبي له عام 1985 في أمريكا تحت شعار "ابكِ تعش أكثر" ودعا المؤتمرون فيه إلى أن يصبح تحليل الدموع من التحاليل الطبية المعتادة مثل تحليل البول -أعزكم الله- لأن نتائجه تقدم معلومات وافية عن الجسم. لذا أطلقوا العنان لدموعكم وعلموا أبناءكم بنين وبنات عدم الخجل من دموعهم وادعوا من فقد عزيزا أو غاليا أن يذرف الدموع ليرتاح وتسكن نفسه. فهل نخجل من نعمة مَنَّ الله بها علينا رحمة بنا وتخفيفا منه -عز وجل- عن نفوسنا المتعبة؟
إنشرها