FINANCIAL TIMES

حملة خفيفة التركيز تضع نتائج الانتخابات في جيب ميركل

قبل عام، بدت أنجيلا ميركل وكأنها معرضة لخطر سياسي بعد تدفق هائل للاجئين الوافدين إلى البلاد، إلا أنها تمكنت بشكل منهجي من تغيير آراء نقادها، وهي في سبيلها إلى الفوز بولاية رابعة كمستشارة للبلاد.
عندما كانت أنجيلا ميركل تختتم خطابا كانت تلقيه في تجمع انتخابي احتشد الأسبوع الماضي في البلدة الجامعية الخلابة هايدلبيرج، ألقي عليها حبتان من الطماطم.
إحدهما أخطأت ولم تصب المستشارة الألمانية، والأخرى أصابتها لكنها لم تترك أثرا يذكر. لم تتفوه ميركل بأي كلمة أمام الحشد: بل قامت وبكل بساطة بمسح الزي الأحمر اللامع الذي كانت ترتديه. بعد مرور بضع ساعات، ظهرت وهي ترتدي الملابس نفسها في تجمع انتخابي آخر.
هذه الحادثة تميز نهج المستشارة الهادئ في محاولتها الفوز بولاية رابعة كمستشارة للبلاد. ويطلق منتقدوها على هذا النهج اسم “الحملة النائمة”، لكن بلادة الانتخابات تصب في مصلحة المستشارة البالغة من العمر 63 عاما: باستثناء حدوث صدمة كبيرة، يبدو من المرجح أنها ستفوز في الرابع والعشرين من أيلول (سبتمبر) الجاري.
في الوقت الذي اعتاد فيه العالم على المفاجآت الانتخابية مع تصويت المملكة المتحدة لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز بها دونالد ترمب، يتوقع جميع من شملتهم استطلاعات الرأي الرئيسية انتصارا مريحا آخر لتكتل ميركل المحافظ.
يبدو من المرجح أنها ستدعم موقفها كزعيمة لا منافس لها في ألمانيا، الشخصية السياسية العليا في الاتحاد الأوروبي وقوة تدعم التعاون الدولي في عالم تنتشر فيه الأزمات السياسية وطفرة في النزعة القومية، ناهيك عن شعار ترمب في البيت الأبيض “أمريكا أولا”.
يقول هيلموت جانج، المستشار لدى وكالة الاقتراع جي إم إس: “يرى الألمان عالما تحوطه عوامل اللبس ولا يرغبون في تغيير قبطان سفينتهم في ظل وجود هذه العاصفة”.
الراحة النسبية التي تسود الحملة الانتخابية التي تروج لفترة ولاية رابعة هي حتى أكثر إثارة للدهشة نظرا للموقف الذي واجهته قبل عام.
في ذلك الوقت، كانت ميركل لا تزال تعاني أزمة اللاجئين التي سادت في العامين 2015 و2016، والتي وصل خلالها أكثر من مليون طالب للجوء كونها عملت على فتح الحدود في ألمانيا بطريقة مثيرة للجدل.
وقد تضرر سجلها الخاص بإدارة الأزمات - المكتسب خلال فترة الاضطرابات المالية العالمية، وعمليات الإنقاذ في اليونان والنزاع في أوكرانيا - كما تضررت أيضا صورتها كأم للبلاد.
التحالف القديم ما بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل وحليفه البافاري الأكثر ميلا للاتجاه المحافظ، الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وصل إلى حافة الانهيار.
جاءت اللحظة الحاسمة في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، عندما قوطعت المستشارة من قبل متظاهري اليمين الذين احتشدوا في احتفال في درسدن لإحياء الذكرى السنوية لإعادة توحيد ألمانيا الشرقية والغربية مع هتافات وأصوات تنادي “بأنه يجب على ميركل الرحيل”.
فوز مارتن شولتز في السباق في أوائل عام 2017 لقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أدى ارتفاع الدعم المقدم للحزب في استطلاعات الرأي، وقد أعدت ميركل نفسها لخوض “أصعب حملة انتخابية لها من أي وقت مضى”.
مع ذلك، انتعاش حظوظها جاء مقابل ثمن. حتى وإن كان “للحملة النائمة” ناخبون يدعمون ميركل، سيكون ذلك الدعم أقل حماسة من قبل. فقد عملت تدفقات اللاجئين على تغيير السياسة. لم تعد ثقة الناخبين كبيرة جدا، خاصة ما بين صفوف المحافظين الذين يشعرون بالقلق إزاء موضوع الهجرة.
يقول هيرمان بينكيرت، رئيس وكالة الاقتراع إنسا: “في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في عام 2013، كانت مستشارة رئاسية تحتل مرتبة أعلى من الأحزاب. أما الآن، فهي مستشارة تتسبب في حدوث انقسام في الآراء”.
خلال العام الماضي، قامت ميركل بتنفيذ عملية تغيير عجيبة. أولا، دخلت الآثار المترتبة على التدابير المتخذة من أجل التقليل من تدفقات اللاجئين حيز التنفيذ، بما في ذلك إبرام صفقة مهاجرين مثيرة للجدل في الاتحاد الأوروبي مع تركيا ومدعومة من برلين. تصر على أن الترحيب بطالبي اللجوء في صيف عام 2015 كان الرد الصحيح على “حالة الطوارئ الإنسانية”، لكنها تتعهد بأنه “لا يمكن ويجب عدم تكرارها”. قرر معظم الشعب الألماني منحها فرصة أخرى.
ثانيا، في الوقت الذي تسبب فيه انتخاب ترمب لها بكثير من عوامل الصداع، حظيت بالفائدة غير المتوقعة المتمثلة في إخافة الألمان ودفعهم إلى الالتفاف حولها.
وكما يقول مسؤول رسمي في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي: “يمكننا التقدم بالشكر كل شهر وكل أسبوع وكل يوم لواشنطن”.
كما فشل شولتز أيضا في تحقيق أهدافه. صعوده السريع في استطلاعات الرأي تبعه هبوط سريع، الأمر الذي ابقى على الحزب الاشتراكي الديمقراطي في المرتبة نفسها التي كان يشغلها قبل أن يبدأ الانطلاق خلال الفترة التي تلت المرحلة الدنيا التي كان عليها في عام 1945.
في الانتخابات السابقة، ركزت ميركل على جوانب إيجابية مهمة وغامضة غير محددة: الرفاهية الاقتصادي، وانخفاض البطالة، والاستقرار الاجتماعي وتعاون الاتحاد الأوروبي. الشعار الرئيسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الاشتراكي هو: “من أجل ألمانيا نعيش فيها بسعادة وبشكل جيد”.
تتجنب ميركل مهاجمة المعارضة، سواء شولتز أو حزب البديل لألمانيا المعادي للهجرة، الذي يهدد بأن يصبح أول حزب يميني كبير في البرلمان منذ الحرب العالمية الثانية.
يطلق المحللون عليه اسم “التسريح غير المتماثل” - من خلال طمأنة أنصارها بأنها ترغب في تثبيط معارضيها.
كما عملت أيضا على التقليل من القضايا المثيرة للجدل. في الخطابات التي تلقيها في الحملات الانتخابية، تكون النقطة الرئيسية المتعلقة بقضية اللاجئين هي التقدم بالشكر لملايين الأشخاص الذين تطوعوا لمساعدة الوافدين الجدد.
فيما يتعلق بفضيحة انبعاثات الديزل التي أضرت بقطاع صناعة السيارات في ألمانيا وأدت إلى فرض غرامات بمليارات الدولارات، تعمل على موازنة النقد الموجه للتنفيذيين في ذلك القطاع إزاء أعمال الغش والتزوير في الاختبارات، مع دعم لصناعة توظف 800 ألف شخص ومراعاة أفراد الشعب الألماني الذين يصل عددهم إلى 15 مليون فرد يستخدمون سيارات الديزل.
النهج السلس مقصود. عند سؤالها خلال مؤتمر صحافي الشهر الماضي عن السبب في أن حملتها الانتخابية مملة جدا، أجابت بأن السبب هو أن حملتها الانتخابية لم تكن تركز على “توجيه الشتم لبعضنا البعض”، لكنها تركز على توضيح البرامج التي سيقدمها الحزب للشعب. “هنالك دائما أشخاص يرغبون في سماع ذلك: بالنسبة لي لا يكون ذلك أمرا مملا بل أمرا مثيرا وممتعا”.
كما هو الحال في الانتخابات السابقة، استهدفت الناخبين الوسطيين، بحيث سرقت من دون خجل من الاشتراكيين الديمقراطيين، على سبيل المثال عند مطالبتها بالمصادقة على النظام القانوني من الحد الأدنى للأجور، وهي سياسة خاصة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي كانت تعارضها أصلا.
ربما يتسبب هذا بخيبة أمل الأحزاب اليمينية، ما يدفع البعض للبقاء في البيت ويدفع آخرين للتصويت لمصلحة حزب البديل لألمانيا، وهذا أمر ناجح لأن الفوز في الانتخابات يكون للوسط، خاصة في ألمانيا.
وفقا لدراسة أجرتها مؤسسة بيرتسلمان، يرى 80 في المائة من الشعب الألماني أنفسهم في الوسط السياسي، أكثر بنسبة عالية من المتوسط في الاتحاد الأوروبي والبالغة نسبته 66 في المائة.
يحتل تكتل ميركل مكانة نسبتها 38 في المائة في استطلاعات الرأي، بعيدا عن المكانة التي يحتلها الحزب الاشتراكي الديمقراطي والتي تبلغ نسبتها 22 في المائة، وقريبا من النسبة التي فاز فيها في انتخابات عام 2013 والتي كانت نسبتها 41 في المائة. والأحزاب الأربعة الأصغر حجما والتي من المحتمل أن تصل إلى البرلمان الألماني تحتل مراتب في استطلاعات الرأي تراوحت ما بين 7 إلى 10 في المائة - دي لينكه (اليسار)، والخضر، والبديل لألمانيا وحزب الديمقراطيين الأحرار الليبراليين.
جزء من الهالة المنيعة التي كانت تتمتع بها ميركل تلاشى. في هايدلبيرج، البلدة الثرية التي تصوت لمصلحة الحزب الديمقراطي المسيحي، رافق خطابها أصوات تصفير أطلقها مؤيدو حزب البديل لألمانيا.
في الوقت الذي بلغ عددهم ربما 50 فقط في حشد بلغ عدده أكثر من ألفي شخص، ملأت أصواتهم التي تصرخ قائلة “يجب أن ترحل ميركل” المكان. في الجوار كان هنالك متظاهرون آخرون يحتجون على فضيحة الديزل.
الأمر المذهل بالقدر نفسه كان المزاج الهادئ الذي ساد ما بين الموالين لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. قال البعض إن خطابها افتقر إلى التفاصيل - وهي شكوى سمع صداها في تجمعات أخرى.
قال أحد ناخبي حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي: “إنها لا تقول الكثير في الواقع، فهي تتكلم فقط حول العالم وليس حول ألمانيا”. قال ويلفريد كراتز، متقاعد، إن أزمة اللاجئين تسببت بحالة من عدم الاستقرار بين الناس. إنهم اشخاص مهذبون، غير راضين تماما”.
وهذا الكلام الذي يوحي بعدم الرضا ساد أماكن أخرى غير هايدلبرج، فقد انتهى الحوار التلفزيوني الذي دار ما بين ميركل وشولتز بإظهار استطلاعات الرأي فوزا واضحا للمستشارة: 55 في المائة ممن شملهم الاستطلاع وجدوا أنها كانت مقنعة، مقابل 35 في المائة ممن دعموا شولتز.
المعلقون تحسروا لعدم وجود اتفاق ما بين الزعيمين. قال المذيع التلفزيوني ثوماس جوتشالك: “دائما ما كان يقوم أحدهما بطأطأة رأسه عندما كان يتحدث الطرف الآخر”.
بالنسبة للمحافظين، قضية اللاجئين هي واحدة فقط من سلسلة من السياسات اتجهت فيها ميركل فوق الحد نحو اليسار. وهم يشتكون حول كل شيء بدءا من نهاية التجنيد الإجباري في عام 2011 وصولا إلى تصويت البرلمان من أجل تشريع زواج المثليين هذا الصيف.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES