ثقافة وفنون

التراث .. إجماع مفاهيمي عربي غائب أم مغيّب؟

منذ بدء ما يسميه المؤرخون في العالم العربي بـ "عصر النهضة الحديثة" والتراث يحتل مركز الجدل والنقاش الثقافي في ساحة الفكر العربي، ودون التطرق إلى طبيعة الأسباب التي كانت تقف وراء هذا الاهتمام المتزايد بمسألة التراث، فإن السؤال الذي يطرحه كل واحد منا على نفسه، بحسب ورقة الباحث المغاربي عبدالمجيد بوقربة هو: لماذا لم يتمكن المثقفون والمفكرون وجميع القوى الفاعلة في الوطن العربي من تحقيق إجماع حول مفهوم التراث، خاصة أن الأمر يتعلق بمصدر الهوية القومية ومنبع الانتماء الديني والحضاري؟
ذلك أن هذا النقاش قد اتخذ في غالبية الأحيان مسارات مختلفة إذا لم نقل متناقضة تعدت حدود معنى التراث إلى التشكيك في جدواه وفعاليته في إخراج المجتمع من الأزمة، إضافة إلى التساؤل الذي يستهدف جوهر الهوية التي يمثلها التراث وعلاقتها بالحداثة والعصر.
إن نظرة سريعة على ما كتبه المفكرون والمثقفون والسياسيون خلال هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ العربي حول هذه الإشكالية تكشف عن عمق الأزمة الطاحنة التي تتخبط فيها المجتمعات العربية: أفرادا وجماعات، حكاما ومحكومين، مثقفين وأميين، فأبسط نقط الاتفاق معدومة وتمسك جميع الأطراف بالمواقف الحزبية والطروحات الأيديولوجية والمعتقدات الإثنية والنظريات والمناهج الفلسفية الغربية، بلغ حد الاستلاب القاتل، فكيف السبيل إلى الخروج من هذه الدراما؟
إن أيسر خطوة في نظرنا للخروج من حالة الحصار الثقافي التي نعاينها تكمن في إيجاد تعريف علمي للتراث يستوعب جميع الأطراف والقوى الفاعلة من مثقفين وسياسيين وأحزاب وجمعيات، وذلك بأن نستبعد سلفا كل ما من شأنه أن يثير حساسية أو رد فعل أي جهة كيفما كان توجهها، حتى نفلت من فخ الأيديولوجيا ولا نعرض أنفسنا للتصنيف والتنابز بالألقاب، فبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.
التراث هو كل ما وصل الأمم المعاصرة من الماضي البعيد أو القريب سواء تعلق الأمر بماضيها هي أو بماضي غيرها من الشعوب أو بماضي الإنسانية جمعاء. فهو أولا: مسألة موروث، وهو ثانيا: مسألة معطى واقع يصنف إلى ثلاثة مستويات.
1 -مستوى مادي يتمثل في المخطوطات والوثائق والمطبوعات والآثار والقصور والمعابد والأضرحة...إلخ.
2 -مستوى نظري يتحدد في مجموعة من التصورات والرؤى والتفاسير والآراء التي يكونها كل جيل لنفسه عن التراث انطلاقا من معطيات اجتماعية وسياسية وعلمية وثقافية تفرزها مقتضيات المرحلة التاريخية التي يجتازها أبناء ذلك الجيل.
3 - مستوى سيكولوجي والمقصود به هو تلك الطاقة الروحية الشبيهة بالسحر التي يولدها التراث في المنتمين إليه حيث يجري احتكاره من قبل نخبة أو جماعة أو فئة من المنتفعين والمتسلطين قصد استغلاله في ميدان التوجيه السياسي والتعبئة الأيديولوجية، نظرا لما يزخر به التراث من مفاهيم وتصورات وأفكار وعقائد وأساطير وعادات وتقاليد وفلكلور ومثل ومبادئ وقيم تملك سلطة قوية على مخاييل الأفراد والجماعات التي تعجز عن مقاومة تأثيره فيها.
يطرح كل مستوى من المستويات السابقة مشكلة يكمن التعبير عنها كما يلي:
أ- المستوى الأول يطرح مشكلة تقنية بحتة تتمثل في طريقة تحقيق المخطوطات والوثائق وكذلك في كيفية الحصول عليها ليتم نشرها وتوزيعها على الدارسين إضافة إلى المشكلات المتعلقة بترميم القصور وإجراء الحفريات والأبحاث عن الآثار المطمورة في باطن الأرض.
ب- المستوى الثاني يطرح مشكلة معرفية تتمثل في كثرة وتضارب التأويلات التي أعطيت للتراث خلال عصور ومراحل تاريخية متتالية. فهل نتعامل معها كما هو جار الآن بوصفها جزءا من التراث، أم نتعامل معها بوصفها مجرد اجتهاد وتأويل بشري للتراث؟
ج- المستوى الثالث يطرح مشكلة الاستغلال الأيديولوجي لهذا الرأسمال الرمزي أي التراث من قبل التيارات الأيديولوجية والقوى السياسية والاجتماعية المتصارعة وتوظيفه من أجل الوصول إلى مواقع السلطة والنفوذ داخل المجتمع والدولة.
لنبدأ بالمستوى الأول ولنتساءل: ما المشاكل التقنية التي تعترضنا في مجال علاقتنا بالتراث العربي الإسلامي مثلا؟
إذا تأملنا طبيعة معرفتنا بالتراث العربي الإسلامي، فسنرى أن جل معلوماتنا عنه ناقصة في أكثر من مجال، فعلى الصعيد التاريخي مثلا لا نستطيع التوغل في عمر هذا التراث أكثر من 150 سنة قبل ظهور الإسلام، فنحن لا نعرف أي شيء عن كيفية تطور اللغة العربية ولا عن الأشواط التي قطعتها خلال عهود ضاربة القدم فيما يسميه المؤرخون بـ "العصر الجاهلي" ذلك أن النصوص المتوافرة لدينا، التي يشك البعض في صحة نسبتها إلى هذا العصر لا تعكس إلا الجانب الستاتيكي أي المستوى الجامد الذي وقف عنده تطور هذه اللغة. أما النصوص التي تبين الجانب المتحرك من عمر اللغة العربية خلال مراحل تطورها في الزمان والمكان، فهي شبيهة بـ "الحلقة المفقودة" في تاريخ تطور الإنسان، الشيء الذي جعل الدراسات التي أنجزها الباحثون والمختصون في مجال التأريخ لهذا التراث مجرد دراسات يغلب عليها طابع التعميم والتخمين والافتراض، في ظل غياب المعطيات الأولية والحقائق الموضوعية ليس إلا. 
إننا إذ نطرح هذه الأسئلة لا نهدف في الواقع إلى التشكيك في تراثنا، إنما نريد فقط التنبيه إلى الثغرات الكثيرة التي يصعب حصرها، التي هي جزء لا يتجزأ من وعينا الراهن بالتراث، الذي تشكل كما سبق وقلنا، في ظل غياب المعطيات الأولية والحقائق الموضوعية التي بدونها لا يمكن أن يحصل للمجتمعات العربية وعي علمي بتراثها.
لنجمل القول إذن عن هذه المعطيات والحقائق في بضع نقاط وذلك قبل أن ننتقل إلى الحديث عن المستوى الثاني الذي يوجد فيه التراث.
1 - معطيات تتعلق بوثائق ومصادر لم تصلنا مثل مؤلفات المعتزلة أو مؤلفات غيرهم من الفلاسفة والعلماء في مختلف العصور الإسلامية.
2 - معطيات تتعلق بوثائق ومصادر يثور بشأنها خلاف حاد بين المؤرخين والباحثين، إما لكونها مجهولة الأصل ككتاب "ألف ليلة وليلة" الذي نجهل إلى حد الآن أصله هل هو كتاب عربي أم مترجم إلى العربية؟ كما نجهل شخصية مؤلفه والعصر الذي ألف فيه. وكذلك كتاب "الإمامة والسياسة" أو "تاريخ الخلفاء" الذي يشك بعض الباحثين في نسبته إلى ابن قتيبة والدافع الحقيقي من وراء تأليفه.
3 - حقائق تتعلق بأحداث وشخصيات تنتمي إلى العصر الجاهلي كالأحداث التي تعرف لدى المؤرخين بـ "أيام العرب" ما دوافعها؟ وما مدى مطابقة ما يرويه هؤلاء المؤرخون بشأنها للواقع التاريخي؟ أو إلى العصر الإسلامي، كأحداث الصراع والفتن التي نشبت بين المسلمين خلال صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، وكذلك حقيقة ما يروى عن بعض الأشخاص.
4 - حقائق تتعلق بالموروث الثقافي السابق على الإسلام، ما هو؟ وإلى أي حضارة ينتمي؟ هل ينتمي إلى الفلسفة اليونانية، أم إلى تراث الحضارات الشرقية القديمة، كالحضارة البابلية والحضارة الفرعونية والحضارة الهندية وغيرها.. من حضارات الشرق القديم؟ وما الدور الذي لعبته المراكز الثقافية والعلمية القديمة التي كانت سائدة آنذاك في البلاد العربية مثل مدرسة أنطاكية وحران ونصيبين والإسكندرية في حفظ هذا التراث؟ وكيف انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية، وفي أي عصر كان ذلك؟ ثم ما التيارات الفلسفية والفرق الدينية الكلامية التي عرفت في التاريخ الإسلامي بتبنيها ذلك الموروث ولماذا؟ أخيرا وليس آخرا، كيف يجب أن ننظر إلى هذا الموروث الثقافي ونتعامل معه؟ هل ننظر إليه، كما ارتأى البعض بوصفه عنصرا غريبا عن فضاء الثقافة العربية الإسلامية، فندعو إلى إقصائه و"تطهير" الفكر الإسلامي منه، أم نعتبره جزءا من الذاكرة الثقافية العربية بكل ما تزخر به من تنوع ثقافي وثراء فكري، فندعو إلى إدماجه في تاريخنا الثقافي، بدل أن نظل مستلبين في مفاهيم نرجسية عن الروح البدوية والأصالة الثقافية وغيرها من المفاهيم "العنصرية" المضللة؟
5 - حقائق تختفي خلف ستار اللبس الذي يكتنف بعض القضايا المتعلقة بتاريخ الفلسفة في الإسلام منها: ما طبيعة العلاقة التي تربط الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية، وكيف يجب النظر إليها، وفي ظل أي دوافع؟
هل كانت تعبر عن مجرد ميل ذاتي لدى فلاسفة الإسلام، أن أنها على العكس من ذلك، ترجع إلى وضعية أعمق، تتعلق برغبة القوى الاجتماعية الصاعدة في العصر العباسي وحاجتها إلى العلم والمنطق؟ ثم ما حقيقة كتاب "أثولوجيا" (الربوبية) المنسوب خطأ إلى أرسطو، وما دوره في ذلك؟ هل أضل فلاسفة الإسلام في المشرق العربي عن أرسطو الحقيقي كما يقول المستشرقون، أم أن حاجة هؤلاء إلى أرسطو كانت تتمثل في شيء آخر، لا يختلف كثيرا عن الحالة السياسية؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون