مبدأ «الثواب والعقاب» ليس محفزا بل محرك رديء للسلوك

|
"الثواب والعقاب" مبدأ مؤصل في الأدبيات لدفع الناس لبذل مزيد من الجهد أو لتصحيح انحراف في السلوك. كما أنه يصنف كأحد أهم أنواع الحوافز. ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على مبدأ "الثواب والعقاب" هل هو بالفعل حافز، أم أنه مجرد محرك للسلوك؟ كما نريد معرفة تأثيره ليس في مجال الأعمال بل في مجال التربية ـــ طالما نحن مقبلون على عام دراسي جديد ـــ لنرى هل هو مناسب لتحفيز الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات وكيف يستفيد منه الأب والأم في توجيه أبنائهم لتحقيق أهدافهم وأهداف أسرهم؟ ولمعرفة ذلك نحتاج إلى العودة إلى جذور تطبيق هذا المبدأ منذ الألفية الثالثة. يقول "ألان ويس" صاحب كتاب الدليل غير الرسمي للمدير المتميز "إن منهج الثواب والعقاب أصبح منهجا بدائيا وفظا ولا يليق أبدا بالمرحلة التي نمر بها". ويضرب لنا مثلا عن الثواب فيقول: لو كان أحد أبنائك كسولا وغير جاد في تحقيق أهدافه وأهداف الأسرة وأردت استخدام الثواب متمثلا في المال كحافز لتغيير سلوكه ودفعه إلى ما تريد تحقيقه فإنه سيلبي طلبك بأقل مجهود ممكن وبأقل حماس. ويظل ينتظر منك أمرا آخر ولكنه في الوقت نفسه ينتظر منك المال والنتيجة ستكون ابنا كسولا لديه مزيد من المال. كما أن "العقاب"- الذي يطلق عليه الحافز السلبي ـــ ليس حافزا هو الآخر وقد يؤدي إلى نتيجة أكثر ضررا من "الثواب" لأن "العقاب" يشعر الفرد بالخوف والخوف يحرك السلوك. لو عدنا إلى الأسلوب الروماني في الحروب نجدهم يضعون ما يقارب 16 مقاتلا مدججا بالسلاح في الصفوف الأمامية ومن خلف كل مقاتل محارب يحمل رمحين أمامه موجهين لظهورهم. أما المحاربون في الصف الثاني فهناك رماح موجهة إلى ظهورهم أيضا وهكذا في جميع الصفوف الخلفية. وبهذا يتحرك جيشا بأكمله يقاتل أفراده بدافع الخوف على أنفسهم فقط وهذا تحرك وليس حافزا لأن الجنود يتحركون من أجل إنقاذ حياتهم وبهذا يتم دفعهم من أجل سلوك معين لولا الخوف ما فعلوه. ومبدأ الثواب والعقاب ليس مقتصرا على العصور الغابرة بل مازال يستخدم حتى الآن في كثير من الاقتصادات والمنظمات والمدارس والجامعات لتحريك الأفراد وينظر إليه على أنه حافز. فلو أخذنا العقاب مثلا فإننا نراه يستخدم بكثرة في تحريك الموظف في مقر عمله، والطالب في مدرسته، والمرأة في بيتها، والمواطن في بلده، الذي اختلف هنا الأداة فقط. ففي العصر الروماني كان يستخدم الرمح ليشعر المحارب بالخوف فيتحرك إلى الأمام ويقاتل، أما الآن فيستخدم بدلا من الرمح الخصم من الراتب للموظف، والتهديد بالطلاق للزوجة، والتشكيك في الوطنية للفرد. أما في مجال التربية فقد تنوعت الرماح الموجهة إلى ظهور البنين والبنات من قبل الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ما بين ضرب مبرح، فتعنيف شديد، أو حبس، وقد يكون العقاب بالتهديد أو الحرمان من الكماليات كالترفيه مثلا، أو الحرمان من المصروف، بل قد يتعدى الأمر إلى الحرمان من الضروريات في بعض البيئات. ينبغي لنا معرفة أن الثواب والعقاب عبارة عن أداتين قصيرتي الأجل لتغيير السلوك فكل ما يفعلانه هو الشعور المؤقت بالطمع في حالة "الثواب" والشعور المؤقت بالخوف في حالة "العقاب" فيتحرك الفرد، وهذا التحرك لا يمكن أن يكون تحفيزا. فإذا استخدمت الثواب لدفع ابنك على نهج سلوك ما فإنك تحتاج إلى فعل هذا الثواب في كل مرة تطلب منه شيئا. وعند استخدامك للعقاب فإنك ترغم ابنك بالقوة على اتباع سلوك ما فيتحرك وإذا أردت أن يفعل ذلك مرة أخرى فأنت مضطر لتطبيق العقاب ولو بطريقة أخرى لأنه يفعل ذلك دون رغبة، وهذا أيضا لا يعتبر تحفيزا. الحافز ينبع من داخل النفس الإنسانية بفعل خارجي أما "الثواب والعقاب" فيبقى تأثيره خارجيا ولا يصل إلى أعماق النفس ولهذا لا يمكن أن يطلق عليه حافز. وهذا لا يعني أن الثواب والعقاب لا يحدثان تغييرا في السلوك بل هناك تغيير ولكن يظل هذا التغيير مؤقتا لأن تأثيرهما يظل خارجيا ولم يلامس المشاعر ويقتنع به المتلقي. كما أنهما عرضة للانتكاس بمجرد أن يختفي المؤثر ولهذا فهما ليسا وسيلة تحفيز يمكن أن تستخدم لتغيير سلوك الأبناء والبنات. التحفيز يجب أن ينبع من داخل الفرد ويؤدي إلى تغيير سلوكي عميق وطويل الأمد وعندما يصل إلى هذا الحد فليس هناك حاجة إلى تكراره كما هو الحال في الثواب والعقاب. لذا ينبغي للآباء والأمهات والمربين والمعلمين ألا يبالغوا في استخدام مبدأ "الثواب والعقاب" ويبقى للضرورة، وقد يتساءل البعض فيقول أين البديل؟ ونحن نقول إن هناك بدائل لكل هذه الأساليب العتيقة لعلنا نناقشها في مقال الأسبوع المقبل ـــ إن شاء الله.
إنشرها