الاستثمار في الطاقة ومحاربة الفقر .. إفريقيا مثالا

|
هناك أخبار أن المملكة تعكف على تنظيم قمة سعودية ـــ إفريقية بنهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل تهدف إلى توطيد العلاقات السياسية والأمنية من جهة واستكشاف الفرص الاستثمارية والتنموية من جهة أخرى. ولفهم أبعاد هذه القمة المرتقبة وعوائدها المتوقعة، أدعو القارئ لقراءة: ـــ مقال (القمة السعودية ــــ الإفريقية.. رؤية مستقبلية، "الشرق الأوسط 10 يوليو2017". ـــ مقال(السر الإفريقي) "الشرق الأوسط 20 يوليو2017". هدف هذا المقال هو مشاركة القارئ تفاصيل رحلة قمت بها إلى إحدى دول شرق إفريقيا بناء على دعوة من إحدى الشركات الناشئة لتقييم فرصة الاستثمار في الطاقة المتجددة الأمر الذي يتيح للقارئ استكشاف ما يخصه من الفرص ذات العلاقة وربطها بأولويات المملكة لتحقيق رؤيتها خاصة فيما يتعلق بمبادرات الطاقة المتجددة. الظاهر أن هناك كثيرا من الفرص الواعدة في قطاعات عديدة في إفريقيا خاصة لصغار المستثمرين الذين هم في العادة أكثر انفتاحا للمخاطر من غيرهم خاصة في المراحل الأولى للاستثمار. وما إن تنضج تلك الاستثمارات وتصل إلى مرحلة معينة من النمو أو الربح أو كليهما حتى يتم استحواذها من صناديق استثمارية أو شركات عملاقة بهدف تكوين استثمارات طويلة الأجل (كالصناديق السيادية المختلفة) فتتضاعف قيمتها الدفترية. النموذج الاستثماري الذي اطلعت عليه يعتمد على توفير بدائل أفضل للمجتمعات الأقل دخلا وبتكلفة أقل. من المعروف أن إفريقيا (وأعني جنوب الصحراء تحديدا) لديها أدنى معدلات كهرباء على مستوى العالم لأسباب عديدة. فالتكلفة العالية نسبيا لبناء النظم الكهربائية، إضافة إلى وجود غالبية سكان جنوب الصحراء في الأرياف البعيدة عن المدن، أسهما في حرمان ما يقارب 700 مليون نسمة من نعمة الحصول على خدمة الكهرباء. بل حتى أولئك الذين وصلتهم الخدمة يعاني غالبيتهم رداءة جودة الكهرباء التي تتسبب في إتلاف أجهزة ثمينة نسبيا. هذا الواقع دفع عديدا من رواد الأعمال من أنحاء العالم كافة لتطوير حلول تناسب تلك المجتمعات. البديل السائد للكهرباء عند هؤلاء السكان هو استخدام الفوانيس والمصابيح التي تستهلك الوقود الأحفوري كالكيروسين الذي تصل تكلفته إلى نحو ربع دخل الأسرة. وحسب التعريف الدارج لفقر الطاقة، يعد المستهلك من فقراء الطاقة إذا تجاوز إنفاقه 10 في المائة من دخله للحصول على الطاقة. هذا عدا عشرات الأميال التي يخطوها رب الأسرة لشراء الكيروسين والبطاريات الجافة (لتشغيل الراديو) ولشحن بطارية الجوال. أذكر أثناء زيارة إحدى القرى بالقرب من بحيرة نيفاشا شمال نيروبي، استوقفت إحدى السيدات السيارة التي كنت أستقلها في طريق وعر وكانت تحمل صغيرها الرضيع وطلبت منا أن نوصلها لمبتغاها. وبعد نصف ساعة تقريبا، طلبت النزول لتكمل رحلتها مشيا. اللافت أن الغرض الوحيد لرحلتها الماراثونية هذه هو شحن بطارية جوالها! أدرك رواد الأعمال أن توفير بدائل أفضل وبتكلفة أقل على الأسر المحرومة من الكهرباء سيوجد سوقا بمليارات الدولارات. ومع التطور التقني المذهل والمتسارع للخلايا الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة، انتهز رواد الأعمال هذه الفرصة من خلال توفير أنظمة شمسية بسيطة جدا تخدم أغراض أساسية (مصباحين، راديو، كشاف، مصدر لشحن الجوال)، وهذه الأغراض كفيلة بتحقيق تحول جذري في نمط حياة سكان الأرياف. والأسلوب السائد في عرض هذه النظم لسكان الأرياف هو من خلال تأجيرها لمدة معينة وبعد انقضاء تلك المدة (بين 18 إلى 24 شهرا) يتملك المستهلك النظام. أسلوب التأجير هذا وبأسعار معقولة لا تتجاوز تكلفة ما كان يتم إنفاقه على الوقود والبطاريات الجافة أسهم في انتشار النظام بشكل واسع، هذا إضافة إلى توفير عناء المشي مسافات طويلة جدا لتوفير الكيروسين. بل إن بعض الشركات فكرت في تطوير قاعدة بيانات ذكية تقوم بتحليل التاريخ الائتماني للمستهلك عندما يحين عرض منتجات جديدة كالتلفاز والثلاجة باستخدام الطاقة الشمسية، وذلك للعملاء المناسبين في المراحل القادمة. هذا إضافة إلى أن هذه البيانات الائتمانية تعتبر في غاية الأهمية لمؤسسات التمويل الأصغر لغرض تقييم جدوى الاستثمار وفتح باب التمويل في منطقة ما. وبالتالي يمكن بيع تلك البيانات بمبالغ طائلة حيث ستسهم في تسويق المنتجات التمويلية المناسبة للمستهلك وبأقل مخاطرة ممكنة. وعلى الرغم من وجود شركات عديدة تهدف لتقديم الخدمة نفسها إلا أن حجم الطلب على الأنظمة الشمسية يتجاوز المعروض بكثير في جنوب الصحراء. المقال القادم سيكون عن أساليب تمويل تلك الشركات مركزا على أسلوب "التمويل الجماعي" أوCrowd funding ومستقبل هذا الأسلوب في دعم مجالات التنمية لا سيما مجال محاربة فقر الطاقة.
إنشرها