الموثوقية أساس القناعة

أوجد المسلمون ما يعرف بعلم الرجال، وارتبط هذا العلم بالحديث النبوي الشريف، بهدف التأكد من صحة الحديث الذي يسند للرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ تجنبا لنسبة حديث للرسول وهو ليس له، خاصة عندما كثرت الإسرائيليات. نقل حديث وروايته وإسناده كلها أمور مهمة لا بد من التثبت منها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس فيه، ويتعبد الله على جهل وضلال، ولذا حظي الإسناد، وهو الاعتمادية على الرجل باهتمام العلماء، ونتج عن هذا الاهتمام كتب الطبقات، وكتب معرفة الصحابة، وكتب الجرح والتعديل، وكتب تواريخ المدن، وكتب تهتم بمعرفة الأسماء وتمييزها. واجتهد علماء الحديث منذ القرن الأول في وضع القواعد التي في ضوئها يتم الحكم على رواة الحديث، وفق هذه القواعد، وطوال القرون تم تطوير هذا العلم، والتجديد فيه. ومن القواعد، أو المعايير في لغة العصر استقامة الشخص الذي يدعي رواية الحديث إذ لا يمكن أخذ الحديث من شخص فاسق، أو فاجر، حيث لا يؤتمن من به فجور على ما يقول وينسب للرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ من قول أو فعل. فإذا شك في دين الرجل يتم رفض الحديث، وعدم الأخذ به، ولذا يتم تمحيص الرجل، وتتبع سيرته لمعرفة قوة وسلامة دينه. كما أن من القواعد ما يخص الذاكرة، نظرا لما للذاكرة من أهمية في الحفظ، حتى لا تختلط المتون على الراوي، أو يسقط من الحديث جزء منه، أو يدخل فيه ما ليس منه، فإذا عرف عن الشخص ضعف في الذاكرة لا يعتمد على روايته. ومن المعايير أيضا الصدق، والأمانة، فهذه الخاصية مهمة لأن من عرف عنه الكذب، والتدليس لا يمكن بأي حال من الأحوال الأخذ بما يرويه. معاصرة الرجل لمن يروي عنهم، وسكنه في المدينة التي عاش فيها من يروى عنهم تعتبر من القواعد المهمة، فعدم معاصرة الفرد لمن يروي عنه مباشرة وعدم سكنه معه في المكان نفسه مؤشرات تؤدي إلى رفض روايته في زمن لم يكن هناك وسائل اتصالات، كما في وقتنا الراهن. لست بصدد الحديث عن هذا العلم الواسع، كما أنني لست متخصصا فيه، لكني رأيت أهمية تناول موضوع التوثق من المصدر في زمننا الحالي، في زمن تتعدد فيه المصادر، وتكثر فيه التصريحات، ويكثر التزييف والعبث، إذ يقرأ المرء أو يسمع الخبر ونقيضه، ما يحدث اللبس والبلبلة لدى الناس. إن موثوقية المؤسسة الإعلامية لا تأتي مصادفة، بل تتحقق من خلال قواعد عمل واضحة، ومعلنة تمثل مرجعية أساسية يستند إليها العاملون فيها، ويمكن لعامة الناس محاسبتها وفقها، إذا ما تعمدت التضليل، والتشويه فيما تنقله وتبثه. هذا العلم الجليل الذي أسسه علماؤنا ولهم السبق فيه على مستوى العالم ولم يعتمدوا على أي أمة أخرى في بنائه، ما أحوجنا لتوظيفه في مجالات السياسة، والإعلام، والتربية والتعليم، والطب وغيرها من المجالات، بهدف الاستفادة من قواعده وتوظيف ما يمكن توظيفه في المجال الذي يناسبه، فالأمانة واجبة في كل مجال والتثبت من المعلومة مهم للمعلم، والإعلامي، كما أن الصدق وتجنب الكذب خاصية حث عليها الدين لكل فرد وفي أي موقف، فكيف بمن ينقل الأحداث، والتواريخ، والعلوم للأجيال والجماهير! التوثيق، والتوثق إحدى القواعد البحثية التي تدرس لطلاب الجامعات، ووجدت مواد دراسية تدرب الطلاب على حسن الاقتباس، ودقته وجودته، إضافة إلى الدقة في النقل والاقتباس، حتى لا يسند لمؤلف، أو باحث ما لم يقله، أو يتوصل إليه، أو يبخس، وتسرق النتائج التي توصل إليها لغيره. ولذا نجد ضرورة التنصيص عند الاقتباس، كما أن الاقتباس له حدود، وله أنواع فقد يقتبس النص، أو تقتبس الفكرة من مصدر مجهول أو مؤلف غير معروف في المجال، ما يحدث تشويها للفكرة، ولذا نجد الاهتمام بمعرفة ما إذا تم الاستشهاد من المصدر الرئيس، أم من مصدر ثانوي لما للمصدر الرئيس من أهمية بالغة مقارنة بالمصدر الثانوي الذي قد يكون اعتراه تحريف، أو سوء فهم للموضوع. المصدر ليس مهما في ذاته، بل العناية بما يترتب على موثوقية المصدر من قبول للخبر أو النتيجة البحثية أيا كان نوعها، ومنهجيتها إن كانت مناسبة أو يعتريها خلل كبير، كما أن البيانات الميدانية، أو الحقلية والمخبرية ذات قيمة في قناعة الناس، وبالأخص المتخصصين منهم للوصول إلى الاستنتاجات، والقناعات "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".
إنشرها