أخبار اقتصادية- عالمية

سوق السيارات الكهربائية تجبر الشركات الكبرى على تغيير خططها المستقبلية

مع تزايد توقعات المسؤولين في شركة رويال داتش شل - أحد عملاقة الصناعات النفطية - أن يشهد العالم انتقالا متسارعا إلى استخدام الطاقة النظيفة خلال العقود المقبلة، فإن الشركة تخطط لأن يعود 20 في المائة من دخلها إلى تقديم خدمات للسيارات التي لا تستخدم الوقود الأحفوري سواء الديزل أو البنزين.
تخطيط الشركة البريطانية يتلاءم مع التغيرات التي تشهدها أسواق السيارات العالمية، فشركات مثل جاكوار ولاند روفر قررت أن تتبع ذات المسار الذي تبنته شركة فولفو للسيارات أخيرا، بمزيد من التحول في اتجاه زيادة إنتاجها من السيارات الكهربائية.
ففي أوائل العام الجاري أنشأت شركة شل أول محطة للتزويد بالوقود الهيدروجيني في المملكة المتحدة، كما يتوقع أن تقوم خلال هذا الشهر بإنشاء أول نقطة شحن للسيارات الكهربائية، على أمل أن تمثل الدخول المحققة من تلك الخدمات خمس إجمالي دخل الشركة بحلول عام 2025.
ويقول لـ "الاقتصادية"، المهندس ديفيد جال رئيس وحدة التسويق في اتحاد صناعة السيارات الأوروبية "إن أسواق السيارات الرئيسية في أوروبا مثل فرنسا والمملكة المتحدة وأسواق دولية مثل الصين تخطط للتخلص التدريجي من بيع السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري في العقود المقبلة، وشركات الطاقة الكبرى تخطط أيضا لتبني خطوات للتحضير والتكيف مع تلك التغيرات، فالدلائل تشير إلى أن الطلب على البنزين والديزل سيبدأ في الانخفاض عندما يتحول الناس إلى أشكال جديدة من وسائل النقل".
وأضاف "أغلب التقديرات تشير حاليا إلى أن معدل الزيادة في الطلب على النفط قد يتراجع مع بداية العقد الثالث من القرن الحالي، نتيجة التوسع في استخدام السيارات الكهربائية، واستخدام مزيد من مصادر الطاقة المتجددة، فعلى سبيل المثال الآن من بين كل 200 سيارة في المملكة المتحدة هناك سيارة كهربائية واحدة، وبحلول عام 2030 يتوقع أن تكون هناك سيارة كهربائية من بين كل 12 سيارة تسير في الطرقات والشوارع البريطانية".
وبينما تخطط المملكة المتحدة وفرنسا إلى حظر مبيعات سيارات البنزين والديزل اعتبارا من عام 2040، فإن تقديرات المختصين تشير إلى أن جميع مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا ستكون كهربائية بحلول عام 2035، في حين قالت شركة "أوبر" للنقل "إنه بحلول عام 2025 ستكون جميع السيارات العاملة لديها في أوروبا سيارات هجين أي تعمل بالكهرباء والبنزين".
مع هذا يعتقد البعض أن تلك الخطط طموحة للغاية بصورة تفوق قدرة الواقع على تحملها، حيث إنه لا تزال بطاريات السيارات الكهربائية واحدة من المشكلات الرئيسية لجعل السيارات الكهربائية "شعبية".
وتعتقد المهندسة أميلي بروس الاستشارية في مجال تسويق وبيع السيارات أن الإقبال على السيارات الكهربائية يواجه مجموعة من التحديات الرئيسية. وتؤكد لـ "الاقتصادية"، وجود مليوني سيارة كهربائية في العالم فقط، من بين مليار سيارة، ولا تزال تكلفة السيارة الكهربائية أعلى من نظيرتها التي تستخدم البنزين والديزل، وذلك على الرغم من الإعانات التي يقدمها عديد من الحكومات الأوروبية للسيارات الكهربائية، كما أن التطور التكنولوجي لا يسير في اتجاه واحد فقط، فالجهود منصبة حاليا على تطوير بطاريات السيارات الكهربائية.
وذكرت أن أنصار هذا النوع من وسائل النقل يتوقعون أن يسهم تطوير البطاريات في إحداث طفرة نوعية كبيرة في الطلب عليها، لكن لا يجب نسيان الجهود التي تسير على قدم وساق لتحسين كفاءة محركات الاحتراق الداخلي في السيارات التقليدية، والمتوقع أن يسهم ذلك في زيادة كفاءة السيارات التقليدية ثلاث مرات مقارنة بالسيارات الكهربائية.
وتضيف "لذلك بعض التقديرات التي يغض أنصار السيارات الكهربائية الطرف عنها تشير إلى أن زيادة استخدام هذا النوع من السيارات، لن يزيد على 1 في المائة بحلول عام 2035، كما أن السيارات الكهربائية والهجينة لن تشكلا معا أكثر من 35 في المائة من سوق السيارات في العالم".
وأوضحت أن تقديرات المدافعين عن السيارات الكهربائية من أمثال شركة Carbon Tracker thinktank كانت تؤكد أن النمو السريع للسيارات الكهربائية سيؤدي إلى وقف الطلب على النفط بحلول عام 2020، وهذا لا يبدو صحيحا الآن.
لكن وجهة النظر تلك التي تبدو في خصومة مع عالم السيارات الكهربائية، وأكثر انحيازا للسيارات التقليدية، لا تأخذ في الحسبان من وجهة نظر البعض، التغيرات الحادثة في الأسواق خارج البلدان الأوروبية، وتتجاهل التغيرات الجارية في الصين والهند.
ويرى نيك فوكس الباحث في اتحاد منتجي السيارات البريطانية أن شركات النفط على حق في إعادة توجيه خططها الإنتاجية، آخذة في الاعتبار التطور الحادث في مجال صناعة السيارات الكهربائية.
ويقول لـ "الاقتصادية"، "إن الصينيين والهنود الذين يزدادون ثراء يريدون استهلاك مزيد من السيارات المتطورة والحديثة، والسيارات الكهربائية تقدم حلولا جذرية لمشكلات تلوث الهواء المستفحلة في تلك البلدان، التي باتت قضية رئيسية على جدول الأعمال السياسي والاقتصادي في الصين مثلا، فالسلطات الصينية تخطط وفقا لجدول زمني لإنهاء إنتاج وبيع السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري، وقد أدى ذلك إلى انخفاض قيمة أسهم شركات النفط الصينية، وبكين تستهدف حاليا أن تكون 20 في المائة من مبيعات السيارات في الأسواق المحلية سيارات كهربائية بحلول عام 2025".
مع هذا فإن مجموعة من المختصين في مجال النفط، يتخوفون من أن تؤدي الجهود الأوروبية إلى حظر السيارات التي تستخدم الوقود الأحفوري مستقبلا، إلى نتائج عكسية في مجال مكافحة تلوث البيئة.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، جيبسون كابلين المختص النفطي، أن 26 في المائة تقريبا من الطلب العالمي على النفط يأتي من عالم السيارات، وحظر السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل ربما ينعكس سلبا على الجهود الراهنة لتطوير محركات الاحتراق الداخلي، وجعلها أكثر كفاءة وأقل تلوثا للبيئة، ومن ثم فإن الجهود الحكومية بالانحياز للسيارات الكهربائية ربما يكون ضررها أكثر من نفعها.
مع هذا فإن شركات النفط العملاقة وفي مقدمتها شركة شل لم تتخلَ عن قناعتها بأن النفط الخام سيلعب دورا رئيسيا في إمدادات الطاقة العالمية لعقود حتى في ظل سيناريو تنخفض فيه أهميته النسبية مقارنة بالعقود الماضية، إذ يتوقع أن ينخفض نصيب النفط من الطاقة العالمية من 80 في المائة في خمسينيات القرن الماضي إلى 40 في المائة خلال العقدين أو الثلاثة المقبلة، إلى 25 في المائة بحلول عام 2060.
وفي هذا السياق تتجه شركات النفط إلى تنويع مصادر دخلها، حيث إن شركة على غرار شل حققت 1.1 مليار دولار خلال الربع الثاني من هذا العام من عمليات تسويق غير نفطية، وبعد أن كانت معظم الإيرادات تحقق من مبيعات النفط الخام والغاز الطبيعي، فإن تلك النسبة انخفضت أخيرا، إلى 63 في المائة، لتحقق الشركة بذلك نحو 37 في المائة من إجمالي إيراداتها من أنشطة غير بترولية، بما في ذلك بيع الشاي والقهوة في منافذها الموجود في 80 دولة حول العالم.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية