FINANCIAL TIMES

السكن الفاخر يجتذب جمعيات الإسكان الاجتماعي البريطانية

تبلغ تكلفة الشقة المكونة من ثلاث غرف نوم في مبنى آردينز في حي لندن الشرقي الفاخر، هاكني، 835 ألف جنيه استرليني، ما يقارب ضعف متوسط سعر المنزل في العاصمة البريطانية. مقابل هذا المبلغ من المال، سيحصل مالك الشقة الجديد على مساحة ضيقة بحدود 110 أمتار مربعة، وسطح خارجي، وتدفئة تحت الأرضيات.
المبني الذي هو جزء من مشروع تطوير "قرية فيش آيلاند" الذي تبلغ تكلفته 350 مليون جنيه استرليني، يعكس سمات عدد كبير من الشقق السكنية الفاخرة الجديدة في لندن، المصممة للأشخاص الذين يستطيعون تحمل تكاليف تملك المنازل الباهظة الثمن في المدينة.
لكن هناك فرقا واحدا: يجري بناء الشقق من قبل جمعية إسكان، واحدة من بين كثير من المجموعات المستقلة غير الربحية التي كانت منذ عقود هي الجهات الرئيسية المزودة للمساكن والتي توفر منازل بتكلفة منخفضة في البلاد. في هذه الحالة، المطور هو مجموعة بيبودي الموجودة منذ 150 عاما، وهي مجموعة غير ربحية أعيد إحياؤها في حقبة السبعينيات.
قرار "بيبودي" هو الأنموذج للوجه الجديد لأكبر الجمعيات الإسكانية في بريطانيا. بعد تخفيضات كبيرة في تمويلها الحكومي، أصبحت هذه المجموعات ذات طابع تجاري أكبر بكثير من قبل. وسعى كثير منها إلى تمويل الإسكان الاجتماعي من خلال الأرباح التي تحصل عليها من بيع المنازل الراقية.
إضافة إلى الاقتراض من المصارف وأسواق الدين الرأسمالية، بدأت أيضا في إجراء عمليات دمج على نطاق واسع. مع قليل من الاهتمام خارج القطاع، تضخمت بعض جمعيات الإسكان لتصبح مجموعات ذات أصول تصل إلى 20 مليار جنيه استرليني، ومعدلات بناء سنوية تنافس مجموعات البناء الكبرى التابعة للقطاع الخاص.
تحول بعض جمعيات الإسكان في بريطانيا إلى مطوري شقق سكنية فاخرة هو أحد ردود الفعل على التخفيضات في تمويل الإسكان الاجتماعي، التي تكشفت بشكل صارخ من خلال الحريق الذي شب في حزيران (يونيو) الماضي في برج جرينفيل الذي يمتلكه المجلس المحلي في غرب لندن، والذي راح ضحيته ما لا يقل عن 80 شخصا.
بعد سنوات من تخفيضات التمويل، تعاني جمعيات الإسكان في سبيل تقديم الخدمات الأساسية، في الوقت الذي عملت فيه عمليات الدمج والتنويع التي أجريت على نطاق واسع، على تضخيم المخاطر المالية. مع وصول الحكومة في النهاية إلى وضع سيئ من حيث توفير الإسكان الاجتماعي، أصبحت الجمعيات الآن قطاعا بقيمة 140 مليار جنيه استرليني من حيث الأصول التي ربما جعلت منها مؤسسات أكبر من أن تفشل.
يقول نيك رينسفورد، وزير الإسكان السابق من حزب العمال في حكومة توني بلير: "السمعة التجارية لجمعيات الإسكان ككل كانت جيدة. لم تكن هناك حالات فشل مذهلة وكان يتم حل المشاكل دون معاناة المستأجرين".
ويضيف: "لكن نظرا لمخاطرها الآخذة في الارتفاع، أعتقد أنه يكاد يكون من المحتم الآن أنه سيكون هناك فشل كبير جدا لدرجة لا يمكن معها التعامل معه بسهولة".

الدور المتقلص
تم تأسيس مجموعة بيبودي من قبل المحسن، جورج بيبودي، وهو خبير مالي ومصلح اجتماعي من القرن التاسع عشر. ومجموعات الشقق المبنية من الطوب هي مشهد مألوف في لندن. لكن فكرة رواج جمعيات الإسكان المستقلة وغير الربحية على نطاق واسع احتاجت حتى أواخر الستينيات لكي تنتشر.
وكان هذا عصر "عودي إلى المنزل يا كاثي" لكين لوتش، وهي دراما تلفزيونية شجاعة حول التشرد الذي عمل على تحويل الرأي العام لمصلحة الأشخاص المحتاجين إلى مسكن. في الوقت نفسه، كانت عقارات المجلس المحلي المبنية خلال طفرة البناء في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تتعرض لحالة من العطب والحرمان الاجتماعي. يقول رينسفورد: "استيقظ الجمهور على حقيقة مفادها أن دولة الرعاية الاجتماعية لم تكن قد حلت جميع المشاكل. مدى التشرد والحرمان الذي كان سائدا صدم مجتمعا كان يشعر بأن الحرمان من لوازم الحياة الأساسية أصبح ضربا من الماضي". انبثقت جمعيات الإسكان الجديدة عن حركة شعبية بهدف توفير مساكن منخفضة التكلفة تقودها المجتمعات المحلية. ويضيف أنها كانت مدعومة بأفكار "المثالية والدينامية والالتزام بإنجاز الأمور بشكل أفضل".
في ظل حكومة مارجريت تاتشر في الثمانينيات، أصبحت الجمعيات هي المتلقي الرئيسي لمنح الإسكان، إضافة إلى المنازل التي نقلت ملكيتها من السلطة المحلية. في ذروتها كانت تبني، وفقا لبيانات الحكومة، ما يقارب 40 ألف منزل سنويا بإيجارات منخفضة التكلفة. وتواصل امتلاكها وتشغيلها لمعظم تلك المساكن ـ يسكن في مباني الجمعيات الآن نحو خمسة ملايين شخص.
في عام 2010 واجهت أزمة في ظل حكومة ائتلافية يقودها حزب المحافظين، كانت تميل إلى اعتبارها مجموعات بيروقراطية متضخمة تدار من قبل رؤساء تنفيذيين يتقاضون أجورا زائدة عن الحد. بالتالي عملت الحكومة آنذاك على تقليص ميزانيتها المخصصة للإسكان الاجتماعي بنسبة 60 في المائة.
جورج أوزبورن، وزير المالية حينها، ذهب أبعد من ذلك في عام 2015 عندما فرض تخفيضا سنويا في الإيجار نسبته 1 في المائة لمدة أربع سنوات، بعد مرور عام واحد فقط على الالتزام بعقد من الزيادات المرتبطة بالتضخم. وعمل ذلك على تمزيق اليقين بخصوص الدخل الممول من الدولة الذي كانت تعتمد عليه الجمعيات. أطلق أحد المعلقين على تلك الإجراءات وصف "نعي الإسكان الاجتماعي".
مع ذلك لا يزال القطاع خاضعا لضغوط سياسية مكثفة من أجل بناء المزيد من المنازل. فقد ساعد النقص في العقارات السكنية في المملكة المتحدة على رفع تكاليف السكن إلى مستويات جديدة وتعريض أكثر من ربع مليون شخص للتشرد، وفقا لجمعية الإسكان الخيرية "شيلتر".
أدركت أكبر الجمعيات أنها تحتاج إلى وجود استراتيجية جديدة. يقول بريندان سارزفيلد، الرئيس التنفيذي لـ "بيبودي"، إن البديل الممكن هو "إغلاق المحل والقول إنه لا يمكننا بناء المزيد". وفي المناطق باهظة التكلفة، مثل لندن، يتطلب بناء كل منزل مستأجر اجتماعيا إعانات تصل إلى 200 ألف جنيه استرليني.
من بين المجموعات السكنية غير الربحية في المملكة المتحدة والبالغ عددها 1300 جمعية، معظمها من المؤسسات الصغرى، لكن أعلى 100 منها تحظى بمحافظ أكبر حجما وتستأثر بما يقارب كامل الطاقة التشغيلية لأعمال البناء في القطاع. وتم تنفيذ سلسلة من عمليات الدمج بين تلك المجموعات، لتحقيق وفورات في الحجم وزيادة النفوذ السياسي.
هذا العام اندمجت "بيبودي" مع "فاميلي موزايك" لتكوين مجموعة بقيمة ستة مليارات جنيه ذات خطط كبيرة مثل إعادة تجديد "تايمز ميد"، موقع مساحته 150 هكتارا جنوب شرق لندن. ووفقا لوكالة موديز للتصنيف الائتماني، ينظر إلى مجموعة بيبودي على أنها عنصر مسؤول مع مستويات ديون "منخفضة نسبة لأقرانها".
كذلك اندمجت "إل آند كيو"، أحد أكبر اللاعبين، مع "إيست تايمز" في العام الماضي، واشترت المجموعة الوليدة هذا العام شركة للأراضي التجارية بقيمة 500 مليون جنيه استرليني. مجموعة أخرى، كلاريون، تدير منازل بقيمة 20 مليار جنيه بعد أن تم تشكيلها من خلال عملية اندماج في عام 2016.
عملت الجمعيات على رفع مستويات ديونها، ذلك لأنه يسمح لها بالاقتراض بأسعار فائدة منخفضة مقابل محافظها من المنازل المستأجرة. وفقا لوكالة المساكن والمجتمعات المحلية، التي تعمل على تنظيمها، توسع إجمالي الديون بمقدار الربع في الفترة بين عامي 2012 و2016 وتجاوز 66 مليار جنيه، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 77 مليار جنيه بحلول 2020/2021.
وفقا للجهة المنظمة، نحو 30 في المائة من الديون الحالية بأسعار فائدة معومة أو مرتبطة بالتضخم، ما يثير مخاوف حول الموعد الذي سيتم فيه رفع أسعار الفائدة.
وأبرمت بعض المجموعات الأصغر صفقات بيع واستئجار مع صناديق استثمارية عقارية مدرجة لجمع مزيد من الأموال. وبحسب بيت ردمان، المدير الإداري لشركة ريسي لإدارة رأس المال "الجمعيات الأكبر والأكثر فعالية بدأت في فقدان قدرتها على الاقتراض" وتتطلع إلى القيام بالأمر نفسه. وتتطلع أيضا للاستفادة من المساكن بسعر السوق، خاصة في المناطق التي شهدت طفرة في أسعار المساكن. وتضاعف بناء مثل هذه المساكن بشكل كبير في الفترة بين عامي 2012 و2016 ليصل إلى 4800، بحسب "إتش سي إيه"، ومن المتوقع أن يتضاعف مرة أخرى بحلول عام 2019.
نتيجة لذلك، إجمالي أعمال البناء التي ينفذها القطاع آخذ في الارتفاع. بحلول عام 2018، من المتوقع أن يصل البناء إلى 65 ألف منزل سنويا، بزيادة 70 في المائة عن معدل 2016/2017. وللمرة الأولى، سيكون مصدر أغلبية التمويل هو المقبوضات من المبيعات، بما في ذلك من الشقق السكنية الفاخرة، بدلا من المنح أو الديون.
لكن تلك التحولات أدت أيضا إلى تفكير عميق في أوضاعها. فقد أثارت إحدى الجمعيات، "جينيسيس"، ضجة قبل عامين عندما قالت إنها تفكر في إنهاء أعمال البناء في قطاع الإيجار المخفض بصورة نهائية. (الذي حدث هو أن المجموعة لم تفعل ذلك، رغم أنه في عام 2016 كان ما نسبته 27 في المائة فقط من مساكنها المبنية حديثا مستخدمة لأغراض الإيجار الاجتماعي أو الإيجار "المعقول" الأكثر تكلفة. وقد اندمجت الآن مع مجموعة أكبر حجما هي "نوتينج هيل").
أصبح توم مورثا، الرئيس التنفيذي لجمعية ميدلاند هارت التي تضم 32 ألف مسكن، شخصية بارزة تتحدث باسم المهمة الأصلية لجمعيات الإسكان.
يقول: "أشعر بالقلق من أنه عندما تنمو المنظمات وتصبح تجارية أكثر، ربما نفقد القيم الخاصة بجمعيات الإسكان التي تم تأسيسها لأجلها في فترة الستينيات والسبعينيات".
لكن ديفيد أور، الرئيس التنفيذي للاتحاد الوطني للإسكان، يصر على الفكرة. يقول: "في الأصل يجري بناء المساكن المستأجرة اجتماعيا من قبل جمعيات الإسكان لأنها تتصرف بشكل تجاري. قد لا يكون هناك أي إيجار اجتماعي لولا ذلك النشاط"، معتبرا أن "هذا ليس فشلا تعرضت له جمعيات الإسكان. بل هي قصة نجاح في ضوء الفشل الذي تعرضت إليه الحكومة في مواصلة تقديم الإعانات".

إتلاف القيمة
فقدان المهمة الاجتماعية ليس مصدر القلق الوحيد. بل المصدر الآخر هو الوضع الأخطر لجمعيات الإسكان الآن مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن، من الناحية المالية ومن حيث أثرها على سوق الإسكان الأوسع نطاقا.
يقول جوناثان وولترز، نائب المدير المسؤول عن الأداء والاستراتيجية في "إتش سي إيه"، إن التغييرات عملت على جعل "أجزاء من القطاع أكثر تأثرا بالاتجاهات الدورية. دائما ما كان أداء تلك المنظمات جيدا جدا خلال فترة الركود. لم يكن هناك أي نقص في الطلب على منتجهم الرئيسي وكانت صناعة معاكسة للاتجاه الدوري".
ويضيف: "أحد الأسئلة المهمة بالنسبة لنا، والتحدي الذي يواجه مجالسنا، هو ما الذي سيفعلونه خلال فترة الركود المقبلة في قطاع الممتلكات؟ كيف سيواجهون كل هذا، نظرا لأنه في جميع حالات الركود السابقة، انخفض حجم بناء المساكن؟".
جمعيات الإسكان اقتربت من الفشل في السابق. في عام 2013 كادت أن تتعرض مجموعة كوزموبوليتان للإسكان، التي تمتلك ما يقارب 14 ألف مسكن، للإفلاس بعد مشروع مشؤوم في مساكن الطلبة. توسطت الهيئة المنظمة آنذاك، وهي مؤسسة الإسكان، من خلال عملية إنقاذ في اللحظة الأخيرة تم بموجبها تحويل أصول المجموعة إلى جمعية أخرى هي "سانكتشواري". يقول مورثا إن بعض الجمعيات واجهت عمليات شطب كبرى للأصول بعد أن اشترت أراض أثناء فترة ذروة السوق في عام 2007. "في الماضي، كانت جمعيات الإسكان الكبرى تشتري الأراضي في لندن خلال فترة الذروة في السوق. انخفضت قيمة الأراضي خلال فترة الركود وأدى ذلك إلى أضرار بالملايين على مدى الزمن".
تم التعامل مع أكثر المواقف المحفوفة بالمخاطر ومعالجتها في ذلك القطاع دون لفت الأنظار. عادة تتوسط الجهة المنظمة في إبرام اتفاقيات مصالحة تمكن الجمعيات الكبرى السليمة من الاستيلاء على الجمعيات المتعثرة في صفقات يمكن عرضها علنا على أنها عمليات اندماج بين أنداد.
يقول الرئيس التنفيذي لإحدى تلك الجمعيات، طالبا طلب عدم الكشف عن اسمه، إن "إتش سي إيه" تتوقع أن يكون للاعبين الكبار دور في استيعاب الأقران المتعثرين. نتيجة لذلك، لم يتعرض أي من جهات الإقراض المضمونة لخسائر في ديون الجمعيات الإسكانية.
يقول رينسفورد إن المشكلة هي أن عمليات الاندماج الأخيرة تثير إمكانية حصول فشل كبير جدا لا يمكن علاجه بهذا النوع من عمليات الإنقاذ، من المحتمل أن تعود "على القطاع بعواقب وخيمة".
ومثل هذا الفشل قد تنتج عنه مخاطر تهدد أمن المستأجرين الضعفاء، بحسب ما يقول. "عندما تقوم بتحويل الأسهم من جمعية إلى أخرى، لن يكون هناك عادة تغيير حقيقي في موقف المستأجرين، لكن في حالة سحب البنك للعقار، يمكن أن يتغير هذا". يقول وولترز إن "إتش سي إيه" كانت تستكشف خطط طوارئ لمواجهة حالة إعسار كبيرة من شأنها أن تنطوي على تفكيك المجموعة المتعثرة وتجميع مساكنها لتنضم إلى جمعية أخرى. لكن نيات "إتش سي إيه،" بحسب ما يقول، ستكون دائما "معرفة هذه الأمور قبل وقوعها". في النهاية، تتوقع وكالات التصنيف أن الدولة ستنقذ جمعيات الإسكان الكبرى المهددة بخطر الإفلاس. وهي تحتسب هذا الاحتمال أثناء عملية التقييم الائتماني لسندات الجمعية، ما يساعد القطاع في الحصول على تصنيفات من الدرجة الممتازة تكون في العادة أعلى من التصنيفات الخاصة بشركات بناء المساكن في القطاع الخاص.
يقول جين هاريسون، المحلل لدى موديز: "لا نعتقد أن من المؤكد تماما أن تنقذ الحكومة أي جمعية إسكان، لكننا نحتسب احتمالا قويا أنها ستفعل ذلك". ويقارن مورثا مسار هذا القطاع مع مسار جمعيات البناء، بما في ذلك المصرف الذي تم تأميمه في عام 2008 مع تصاعد الأزمة المالية.
"يغلب على المصارف العقارية أن تكون مستقلة، لا تهدف إلى الربح ومملوكة من قبل أعضائها. ومن ثم توسعت وتطورت واندمجت، وتم تحريرها من الضوابط التنظيمية وأصبحت مصارفا، وينتهي بها الأمر أن تكون مصرف نورثرن روك المفلس".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES