FINANCIAL TIMES

باريس أول عاصمة تدخل عصر ما بعد السيارات الخاصة

اليوم في ليما (بيرو) ستختار اللجنة الأولمبية الدولية باريس لاستضافة أولمبياد عام 2024. بحلول الوقت الذي تبدأ فيه الألعاب فعلاً، سيكون وجه باريس قد تغير. يقول جان لوي ميسيكا، نائب عمدة المدينة: "السيارات ذات محركات الاحتراق التي يقودها الأفراد" يُمكن إلى حد كبير أن تكون قد حُظِرت في المدينة بحلول ذلك الوقت. ويطل خارجاً من نافذة مكتبه في قاعة بلدية مدينة باريس الواقعة على شارع ريفولي المزدحم. بحلول عام 2024، الحافلات المكوكية دون سائق ينبغي أن تجول الطرقات طوال اليوم. سيرى زوّار الألعاب الأولمبية صورة لمدينة ما بعد السيارات.
أي شخص يُراقب الشاحنات تُفرّغ بضاعتها على معابر المشاة في باريس اليوم سيعاني من أجل تصديق هذا الكلام. باريس الآن قذرة، وفوضوية، ومتخلفة أعواماً عن رائدتي صناعة النقل، أمستردام وكوبنهاجن. ووفقاً لعمدتها، آن هيالوجو، تُعاني 6500 حالة وفاة سنوياً من التلوث. لكن هذا إلى حد كبير لأن باريس بُنيت في عصر ما قبل السيارات، ولم تملك قط المساحة اللازمة لها. الآن، في الوقت الذي بدأت تتلاشى فيه السيارات الخاصة، ستصل مدن ما قبل السيارات إلى مستوى من النجاح. باريس، عاصمة القرن الـ 19، يُمكن أن تكون عاصمة القرن الـ 21.
المدينة تنفتح منذ الآن على المستقبل: زيادة سعر وقوف السيارات، وإضافة ممرات للدرجات الهوائية، والتخطيط لحظر السيارات العاملة بالديزل بحلول عام 2020. باريس تملك كل الصفات لتُصبح أول مدينة تدخل عصر ما بعد السيارات في العالم. أولاً وقبل كل شيء، هي كثيفة فوق الحد من حيث استخدام السيارات، وفي الوقت الذي يزداد فيه عدد السياح، تستمر في أن تُصبح أكثر كثافة. يقول روس دوجلاس، الذي يُدير "أوتونومي"، مؤتمر النقل الحضري السنوي في باريس: "أول شيء سترغب المدينة في فعله هو تقليل عدد السيارات الـ 150 ألفا المركونة على الشارع ولا تفعل شيئا. لماذا ينبغي أن تشغل مساحة 12 مترا مربعا لنقل نفسِكَ؟ لماذا ينبغي أن تستخدم محرك ديزل كبير لتلويثي أنا وعائلتي؟".
بحلول عام 2024 ستقوم سيارات الأجرة دون سائق بجولات عديدة، ودون توقف تقريباً. ومساحات وقوف السيارات في باريس ستُصبح مسارات للدرجات الهوائية، أو السكوتر، أو أرصفة مقاهي، أو ملاعب.
السبب الثاني الذي يجعل من الممكن لباريس أن تتغير بسرعة هو أن صناعة السيارات فيها كانت تُخفّض الوظائف بثبات منذ الثمانينيات. وهي صغيرة جداً الآن على نحو لا يؤهلها للضغط بشدة ضد المستقبل. ثالثاً، لدى فرنسا رئيس بارع في التكنولوجيا يبلغ من العمر 39 عاماً. وفي حين أن أسلافه أنفقوا طاقتهم في دعم الصناعات المحتضرة، يعتزم إيمانويل ماكرون الاستيلاء على قطع من الصناعات الجديدة، مثل السيارات دون سائق. رابعاً، باريس ليست بحاجة إلى السيارات الخاصة، لأنها في الأصل تملك وسائل النقل العام الأفضل لأي مدينة عالمية، بحسب معهد سياسة النقل والتنمية الذي يوجد مقره في نيويورك. الزوار من المدن النامية المزدحمة الذين يركبون قطارات المترو هنا يشعرون بدهشة كبيرة. منذ الآن نحو ثُلثي سكان باريس البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة لا يملكون سيارات، كما يقول ميسيكا.
صحيح أن عشرة ملايين شخص في الضواحي خارج باريس يعتمدون أكثر على السيارات. لكن بحلول عام 2024 ينبغي أن يتوقف معظمهم عن الاعتماد عليها. عند التجوّل في أنحاء أية ضاحية تقريباً الآن، ستجد في مكان ما بالقرب من الشارع الرئيس لوحة إعلانات تقول: "نحن نُجهّز موقع المترو". "جراند باريس إكسبرس" (الخط السريع لباريس الكبرى) - أكبر مشروع نقل عام في أوروبا - سيُغير نمط حياة الناس. سيجلب 68 محطة جديدة، وآلاف المنازل مبنية فوق ذلك. الألعاب الأولمبية ستساعد في ضمان تسليمه في الوقت المحدد.
بعد ذلك ستُنشر الحافلات المكوكية دون سائق على طول المسارات الرئيسة. (هناك واحدة يجري اختبارها منذ الآن في المنطقة التجارية، لا ديفانس. المرة الوحيدة التي تسببت في حادث كانت عندما تسلَّم سائق بشري عجلة القيادة واصطدم بكاحل أحد المُشاة). الدراجات الكهربائية الجديدة ستسمح لراكبي الدراجات الهوائية في الضواحي بتغطية ضعفين، أو ثلاثة أضعاف المسافات الحالية، ما يجعل السفر الطويل مهمة سهلة. يتوقع ميسيكا أن يصبح "بيريفيريك" - الطريق الدائري في باريس الذي يقطع المدينة الآن من الضواحي - قديما. وهو يتطلّع إلى أن يتحوّل إلى شارع حضري تصطف على جنبتيه الأشجار والمقاهي.
لكن عند حلول ذلك الوقت ستكون باريس والضواحي قد اندمجتا في "باريس الكُبرى". يُشير ميسيكا إلى أن استاد الألعاب الأولمبية وقرية الرياضيين في عام 2024 سيكونان خارج باريس، ربما في سين-سانت-دينيس، إحدى أفقر المقاطعات في فرنسا - على بُعد خمس دقائق فقط بالقطار عن باريس، لكنها الآن بعيدة جداً.
بحلول عام 2024 ستكون باريس المدينة رقم واحد التي لا منافس لها في الاتحاد الأوروبي. سألت ميسيكا إذا كان يتوقع أن يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لمصلحة باريس. أجاب أنه يعتبر لندن وباريس مدينة واحدة؛ "الحاضرة". يُمكنك السفر بينهما في وقت أقل مما يلزم لعبور شنغهاي. على أية حال، يُضيف: "لدي الانطباع أن خروج بريطانيا لن يحدث، لأن الإنجليز واقعيون. في اللحظة التي يقولون فيها ’كنا مخطئين، وسنعود خطوة إلى الوراء‘، هذه اللحظة ستكون مهينة إلى حد ما، لكنها ستكون أفضل من تنفيذ خروج بريطانيا".
في مهرجان نهاية الأسبوع الذي نظمته "فاينانشيال تايمز" يوم السبت الماضي، قال لي ريتشارد روجرز، المهندس المعماري البريطاني: "باريس تنتعش مرة أخرى". لكنها لن تكون النعيم الموعود حين يحل عام 2024. الجنود الذين يحملون البنادق الرشاشة ربما نجدهم يقضون أيامهم وهم يذرعون الشوارع الجانبية النائمة، بحثا عن الإرهابيين. لكن منذ الآن، بدأت باريس تنظر إلى الجارة الإنجليزية بنوع من التعاطف وليس الحسد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES