تحدي التضخم المزمن «1 من 2»

سجل التضخم انخفاضا واسع النطاق في مختلف البلدان على مدار السنوات القليلة الماضية، دون أن يحدث تأثيرا كبيرا في توقعات التضخم حتى الآن، وأن فعالية السياسة النقدية في معالجة انخفاض التضخم المزمن قد تصاب بالضعف في الاقتصادات التي تقترب أسعار الفائدة فيها من الصفر. يتطلب الأمر مزيجا ملائما من السياسات لتجنب حدوث انحراف هبوطي في توقعات التضخم بما قد يتسبب في انخفاض النشاط الاقتصادي والتأثير في الوظائف. كما تتزايد مخاطر استمرار التضخم الضعيف لفترة ممتدة في البلدان التي تعتبر سياستها النقدية مقيدة، حسب دراسة جديدة أصدرها الصندوق. وتخلص الدراسة التي نشرها الصندوق أخيرا إلى أن التضخم المنخفض الذي يواصل الهبوط منذ حدث "الركود الكبير" ظاهرة واسعة النطاق تشمل مختلف البلدان والمقاييس والقطاعات. ويظهر هذا "التضخم المنخفض" بوضوح أكبر حين ننظر إلى أسعار السلع الاستهلاكية التجارية ــــ مثل السيارات وأجهزة التلفزيون ــــ أكثر من الخدمات ــــ كالاتصالات والخدمات المالية. وإضافة إلى ذلك، كان انخفاض التضخم مدفوعا في الأساس بتراخي النشاط الاقتصادي في الداخل ـــ نظرا لضعف الطلب وأوضاع النمو ـــ وتراجع أسعار السلع الأولية. وتخلص الدراسة أيضا إلى أن تراخي النشاط الصناعي في البلدان المصدرة الكبرى أسهم في انخفاض التضخم من خلال تخفيض الأسعار العالمية للسلع التجارية. ولكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد. ففي حين أن المسار المستقبلي المتوقع للأسعار، أو توقعات التضخم، لم يشهد انخفاضا كبيرا حتى الآن، تخلص الدراسة إلى أن استجابة توقعات التضخم للتغيرات غير المتوقعة في التضخم ـــ وهو مؤشر لمدى "ثبات" هذه التوقعات ـــ قد زادت في البلدان التي تقترب أسعار الفائدة فيها من الصفر أو تقل عنه. ويشير هذا إلى أن القدرة المتصورة للسياسة النقدية على مكافحة انخفاض التضخم المزمن ربما تشهد تراجعا في هذه الاقتصادات. وقد استمر ظهور التضخم المنخفض في مجموعة واسعة من البلدان والمناطق. وبحلول عام 2015، كانت معدلات التضخم قد انخفضت عن مستوى التوقعات متوسطة الأجل في أكثر من 85 في المائة من العينة التي تجاوز عددها 120 اقتصادا ـــ 20 في المائة منها كانت تمر بالفعل بانكماش صريح. وأحد أسباب ذلك هو الهبوط الحاد في أسعار النفط أثناء عام 2014، ولكن التضخم الأساس، الذي تُستَبعد منه أسعار الغذاء والنفط، انحدر أيضا إلى أقل من المستويات المستهدفة التي حددتها البنوك المركزية للتضخم في معظم الاقتصادات المتقدمة وكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة أخيرا. ورغم أن انخفاض التضخم طال كل القطاعات، فإن الهبوط كان أكبر في أسعار المنتجين الصناعيين منه في أسعار الخدمات. كان ضعف الطلب والتراخي الاقتصادي المزمن عاملين مساهمين في انخفاض التضخم الذي شهدته أخيرا الاقتصادات المتقدمة وعدة أسواق صاعدة غير أن أسعار الواردات المنخفضة أسهمت بدور أساس أيضا في تخفيض التضخم، وهو ما يعكس في جانب منه هبوط أسعار النفط وغيره من السلع الأولية. ولكن الدراسة تشير إلى أن أثر ضعف أسعار الواردات في التضخم المحلي مرتبط أيضا بتراخي النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى الرئيسة. وقد سجل الاستثمار في قطاعات السلع التجارية نموا كبيرا بالفعل في بعض الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الصين، في أعقاب الأزمة المالية العالمية استنادا إلى توقعات الطلب العالمي والمحلي الذي جاء فيما بعد دون مستوى التوقعات. وأدت الطاقة الزائدة المترتبة على ذلك في هذه الاقتصادات إلى فرض ضغوط خافضة لأسعار السلع التجارية الدولية، وهو ما يعني بوجه عام انخفاض أسعار الواردات بالنسبة لباقي أنحاء العالم.. يتبع.
إنشرها