أبرز عوامل زوال التضخم العقاري

تضافر اجتماع جهود وعوامل عديدة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة (2015-2017)، ليؤدي في مجمله إلى بدء إزاحة التضخم في أسعار الأراضي والعقارات، ومن ثم الإيجارات عن القمة السعرية التي وصلت إليها خلال 2014. جاءتْ الجهود المشار إليها هنا من طرف الحكومة، التي بدأتها في نوفمبر 2014 بإعادة ضبطها لأنظمة التمويل العقاري، الذي قيد بصورة جيدة قناة لضخ الأموال دون قيود مشددة على سوق شهدت وتشهد موجة تضخمية هائلة، كانت من أهم حسناتها لاحقا خفض النمو السنوي للقروض العقارية الممنوحة للأفراد خلال عام واحد فقط، من 47.5 في المائة بنهاية الربع الرابع من 2014، إلى نحو 8.3 في المائة فقط بنهاية الربع الرابع من 2015، واستمر معدل النمو السنوي لتلك القروض العقارية في مستويات متدنية حتى منتصف العام الجاري، عند مستوى نمو لم يتجاوز 6.6 في المائة. ثم جاءت الخطوة الأخرى الإيجابية التي اتخذتها الحكومة، التي تمثلت في إقرارها لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء ومن ثم البدء في تطبيقه خلال الفترة الوجيزة 2015-2016، استهدفت من خلال إقرارها لهذا النظام المهم جدا؛ محاربة احتكار الأراضي بمساحات شاسعة داخل المدن والمحافظات، الذي مثل صلب وجوهر أزمتي العقار والإسكان، إضافة إلى محاربة المضاربات المحمومة على الأراضي، والتضييق على نشاطاتها الضارة اقتصاديا واجتماعيا، ومعلومٌ أنه لم يعد محتملا أن تقف الحكومة مكتوفة الأيدي أمام تفاقم واتساع دائرة آفتي الاحتكار والمضاربة على الأراضي فقط، وما تسببا فيه من إلحاق كثير من الأضرار الجسيمة بمقدرات الاقتصاد الوطني، من تشوهات هائلة وتضخم لا يستهان به على مستوى رفع تكاليف الإنتاج والتشغيل، إضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع، دع عنك تحول الأموال والثروات من توظيفها الأمثل واللازم في خدمة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للبلاد والعباد، إلى مجرد تكديسها وتدويرها فقط في مجرد عمليات اكتناز واحتكار ومضاربة على أراض، دون أي تطوير أو انتفاع أو استخدام لها. أما بالنسبة لبقية العوامل الاقتصادية الأخرى، فقد جاءت من حسن الطالع على اختلاف تطوراتها خلال الفترة الماضية، لتصب في الاتجاه الإيجابي الذي أسهم في مزيد من زحزحة فقاعة العقار عن ذروتها السعرية الهائلة، ورغم ما تحقق من انخفاضات سعرية في مختلف الأصول العقارية حتى تاريخه، إلا أنها لا تكاد تُذكر أمام رالي الأسعار الهائل الذي قطعته الأراضي والعقارات خلال العقد الزمني السابق، ويؤمل أن يستمر تضافر الجهود الحكومية والعوامل الاقتصادية الراهنة في تحقيق مزيد من انخفاض الأسعار المتضخمة، وأن تزول إلى غير رجعة أحد أخطر الأزمات التنموية التي أرهقت كاهل الجميع إلا المنتفعين القلة منها، وأن تتكلل بتوفيق الله ـــ عز وجل ــــ بانفراج أزمة الإسكان المحلية، وتطوى صفحتها نهائيا بما فيه الخير لعموم البلاد والعباد. يتوقع بمشيئة الله تعالى استمرار تأثيرات تلك العوامل في السوق العقارية طوال الأعوام الخمسة المقبلة على أقل تقدير، التي يمكن بلورتها وإيجازها بصورة مختصرا جدا في تسعة عوامل رئيسة؛ هي على النحو التالي. العامل الأول: انخفاض أسعار النفط بنحو 58.3 في المائة خلال الفترة من منتصف 2014 حتى الوقت الراهن، واستمرار ذلك الانخفاض طوال الأعوام التالية (انخفاض متوسط سعر النفط العربي الخفيف بنسبة وصلت إلى نحو 48.7 في المائة خلال 2015، وانخفاضه بنسبة 17.8 في المائة خلال 2016). العامل الثاني: انخفاض الإيرادات النفطية الحكومية بنسبة 63.5 في المائة خلال الفترة 2014-2016، كنتيجة مباشرة لانخفاض أسعار النفط. العامل الثالث: تباطؤ معدل النمو السنوي للسيولة المحلية إلى أدنى مستوياتها خلال العقدين الماضيين «2.7 في المائة تموز (يوليو) 2017»، وتسجيل النمو السنوي للائتمان المصرفي خلال الفترة نفسها لمعدل نمو سلبي «- 1.3 في المائة تموز (يوليو) 2017». العامل الرابع: استمرار ارتفاع تكلفة تمويل رأس المال، حيث وصل معدل الفائدة على الريـال (متوسط أسعار الفائدة بين المصارف لثلاثة أشهر) إلى 1.8 بنهاية تموز (يوليو) الماضي. العامل الخامس: بدء تنفيذ أكبر عمليات إصلاح هيكلية للاقتصاد الوطني ضمن "رؤية المملكة 2030"، تستهدف تحويل الاقتصاد الوطني من الاعتماد المفرط على النفط كمورد وحيد للدخل، إلى اقتصاد قائم على قاعدة إنتاج متنوعة ومتعددة، التحولات التي ستقضي على أغلب التشوهات الهيكلية محليا، وعلى رأسها احتكار الأراضي والمضاربة عليها. العامل السادس: تصحيح أوضاع العمالة الوافدة بسوق العمل، وما سيترتب عليه من انخفاض أعدادها ومرافقيها بنسب كبيرة خلال الفترة 2017-2020، كنتيجة مباشرة لتطبيق رسوم العمالة الوافدة ومرافقيها. العامل السابع: تطبيق عديد من الرسوم والضرائب على ملكية الأصول والسلع المعمرة مثل رسوم الأراضي البيضاء، إضافة إلى بدء تطبيق الضريبة الانتقائية الذي تم مع منتصف العام الجاري، وترقب بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة مطلع عام 2018. العامل الثامن: رفع تكلفة استهلاك موارد الطاقة محليا، التي ستؤثر في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي محليا، وفي السوق العقارية المحلية تحديدا. العامل التاسع: اتساع تأثر السوق العقارية من ارتفاع حجم عروض بيع الأراضي والوحدات السكنية (1.1 مليون وحدة سكنية شاغرة)، وإعلانات ضخ أكثر من 1.5 مليون وحدة سكنية أخرى خلال الأعوام القليلة المقبلة، يتوقع مع تزايد حجم معروض البيع من الأراضي والوحدات السكنية كما هو قائم الآن في السوق، واستمرار تأثير الأوضاع الاقتصادية والمالية غير المواتية وضغوطها على السوق العقارية المحلية، أن يستمر أيضا انخفاض مستويات الأسعار، سيجد مع كل مستوى سعر متدن للأصول العقارية قوة شرائية محدودة تقبل بها، وكلما انخفضت الأسعار وجدت قبولا أكبر من قبل المشترين حسب مستوى دخلهم وقدرتهم الائتمانية، وهو الأمر الذي لم يعكسه أداء السوق حتى تاريخه، وما يفسر إلى حد بعيد تفاقم حالة الركود وزيادة سيطرتها على أداء السوق العقارية المحلية. الخلاصة مما تقدم؛ أن مؤشرات زوال الأزمة العقارية وامتدادها للإسكان، تتقدم بخطى ثابتة وجيدة بفضل الله، وإن شابها بعض البطء أحيانا كما قد يتصور عديد من الأفراد؛ فليس هذا إلا لضخامة الأزمة وعمق جذورها لدينا، ولضخامة آثارها السلبية والخطيرة التي كانت وما زال بعضها عليه طوال العقد الماضي، علما أن تآكل مغذيات أزمة العقار قد نراه تسارع بصورة أسرع وأكبر كلما شهدنا اندفاعا أكبر لأي من العوامل المشار إليها أعلاه، وهو ما قد يلمسه الغالبية منا خلال الفترة الراهنة، التي تشهد مزيدا من تنفيذ إصلاحات الاقتصاد الوطني. والله ولي التوفيق.
إنشرها