المدرسة ودعم الآباء والأبناء لمواجهة التحديات

سألني أحد الآباء وهو متوتر وقلق، عن أفضل مدرسة ثانوية يمكن أن يلحق ابنته بها لهذا العام، فقلت له لست خبيرا في هذا المجال، لكن لماذا أراك متوترا وقلقا؟ فقال لي "إنه يواجه تحديا من نوع لم يخطر بباله بتاتا"، حيث إن ابنته التي أنهت الدراسة المتوسطة، وقالت له "إن المجمع الدراسي الذي أنهت تعليمها الابتدائي والمتوسط فيه لم يعد صالحا، وإنه لا يتطور ولا يواكب التطورات الحديثة، وإن الإدارة والمعلمين والمناهج باتوا من الماضي، وليس من المنطق أن تأخذ المدرسة المبالغ الكبيرة التي ندفعها لها دون عائد تعليمي، ومهاري، وقيمي ومفاهيمي يواكب العصر والتطورات". يضيف هذا الأب قائلا لي "إنه لم يدرك حجم تأثير السفر، والنفاذية لمصادر المعرفة والمعلومات والثقافات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلال المواقع الإلكترونية المعرفية والتفاعلية، ومن خلال المواقع التي تعرض الأفلام والمسلسلات المؤثرة في المعرفة والمواقف والسلوكيات كافة، ومن خلال القنوات التلفزيونية المشفرة وغير المشفرة، ومن خلال ألعاب البلاي ستيشن المباشرة وغير المباشرة، إلا بعد أن أصبح أمام ابنته، وهي تحدثه بلغة لم يعهدها من قبل، لغة تتجاوز عمرها بكثير، مقارنة بما توصل إليه هو عندما كان في عمرها، حيث إنها تتقن اللغة الإنجليزية وشيئا من الفرنسية، ومطلعة على الثقافات الغربية، ولديها قيم ومفاهيم واتجاهات ومواقف تختلف عن تلك التي لديه ووالدتها، ولديها مرجعيات قياسية وأخرى مقارنة بشأن التعليم، والتعلم، والقراءة والاطلاع، والتدريب والتأهيل، والجامعات وأنواعها، وأفضل عشر جامعات، وكذلك أفضل مائة جامعة، ومواقعها، وأثر التعلم في أي منها في مستقبل الطالب وفي حياته الشخصية والعملية". يقول أيضا "إنه بعد هذا السؤال وضرورة البحث عن مدرسة قادرة على تقديم ما تطمح إليه ابنته، وبقية إخوتها الذين يصغرونها عمرا، تذكرت مناقشاتهم في العام الماضي عندما كنت في بعض الأيام أعود بهم من المدرسة إلى البيت، بشأن ضعف أداء المعلمين والمعلمات، كونهم - من وجهة نظرهم - لا يجيدون تعليم المواد الأساسية، كما أن لديهم مفاهيم خاطئة في التعامل والتواصل مع الطلاب، وأنهم (عايشين مع أنفسهم) ولا يعلمون ماذا يحدث من حولهم، ولاحظت أنهم يرأفون بحال معلميهم الذين يعيشون حالة من الجمود في عالم سريع التغير والتطور". وأقول من ناحيتي لم تعد الحياة سهلة كما كانت، وأصبحت قضاياها ومشكلاتها ومتطلباتها متشابكة ومعقدة، ولا شك أن ثورة التقنية والمعلومات، وسهولة التواصل الحضاري مع الأمم من خلال جميع وسائل التواصل المباشرة وغير المباشرة جعلت الأبناء يواجهون تحديات كبيرة لم تكن موجودة في السابق في مجتمعاتنا البسيطة المنطوية على نفسها، التي يتقبل أبناؤها - فيما سبق - المعلومات والمعارف والتوجيهات والمفاهيم من باب الاحترام دون تدقيق أو تمحيص أو نقاش، كما أن عملية التوظيف في السابق كانت سهلة وميسرة بعد الحصول على الشهادات، وإن كانت لا تعبر عن المعرفة والعلم والمهارات والقيم والمفاهيم السليمة. اليوم تواجه الوالدين والأبناء تحديات كثيرة، ولا تمكن مواجهتها دون تعليم نوعي، يعيش العصر وتطوراته، والمستقبل وتوقعاته، تعليم يزود الطلاب بالمعارف الأساسية، والتفكير والتعلم، والمهارات الحياتية والاجتماعية والعملية، والأخلاقيات والقيم والمفاهيم، تعليم يهيئ الطالب ليكون مفكرا ومتعلما وناقدا ومنافسا، تعليم يزرع الأمل والتفاؤل والطموح في نفوس الطلاب، للمشاركة في صناعة مستقبلهم وصناعة مستقبل بلادهم، بل الإسهام في الحضارة الإنسانية، تعليم يراعي الممارسات الدولية في مجال التعليم التي بات طلابنا يعيشونها من خلال وسائل التواصل، ومن خلال الإعلام، ومن خلال التواصل المباشر مع أبناء الدول المتقدمة. أعجبتني جدا العبارة التي وضعتها وزارة التعليم في موقعها بشأن التعليم و"رؤية 2030"، حيث تقول العبارة "إن من سبل التطوير الإداري إعادة مفهوم صياغة المدرسة كمؤسسة تعليمية وتربوية تصقل المواهب وتزود بالمهارات وتنتج جيلا من الناضجين الطموحين المقبلين على الحياة بروح التحدي والمنافسة وحب العمل والإنتاج"، ولا شك أن معظم مدارسنا الحكومية والأهلية بعيدة كل البعد عن ذلك، ولذلك بات أبناؤنا لا يجدون فيها ما يشبع نهمهم وشغفهم ورغبتهم وطموحاتهم في التعليم والارتقاء إلى المستويات الدولية. ولمعالجة الفجوة التعليمية ولتوفير مدارس تراعي واقع الطلبة من أبناء رحِم ثورة المعلومات، واقتصاديات المعرفة، والتواصل الحضاري من خلال السفر والوسائل الأخرى، أقترح أن توضع مسارات استراتيجية عامة لكافة المدارس، خصوصا المدارس الأهلية الأكثر مرونة في التغيير، لتطوير قدراتها وبيئتها التعليمية ومناهجها ومعلميها، بالتمحور حول جودة الطالب القادر على التعلم، والتفكير، والإبداع، والتواصل، والمنافسة والمساهمة في نهضة بلاده، والنهضة الحضارية الإنسانية، ولنركز في بداية الأمر على ترسيخ القيم الأخلاقية والمدنية والعملية ومفاهيمها السليمة في نفوس الطلاب، وكذلك على المهارات ذات الأولوية لمواجهة تحديات العصر مثل مهارات التفكير، والمهارات الذهنية، والمهارات التواصلية، ومهارات البحوث وحل المشكلات. وأقول نركز على هذه الأمور ذات الأولوية، لأني رأيت الإنتاج الغزير في الغرب من كتب ومقالات يُركز على تلك المهارات، باعتبارها تشكل نسبة تفوق 80 في المائة من أسباب النجاح والتفوق والمنافسة والإبداع والإنتاجية والترقي في المناصب، في حين لم تمنح المعارف الفنية في مجال التخصص ومهاراتها سوى أقل من 20 في المائة كأحد أسباب ذلك، وبالتالي يمكن للمعلمين الاستفادة من هذا الإنتاج لتطوير معارفهم ومهاراتهم ليجاروا طلابهم. ختاما: تقول وزارة التعليم في موقعها الإلكتروني "يعتبر قطاع التعليم من القطاعات الحيوية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع، وله صلة وطيدة بدفع عجلة الاقتصاد الوطني، ويسهم التعليم في تحويل الاقتصاد من الاعتماد على مصدر واحد للدخل، إلى اقتصاد يعتمد على العقول ذات المهارة العالية والطاقات البشرية المبدعة والمنتجة، وقد حان الوقت للانتقال بمدارسنا إلى المستويات القياسية الدولية لتحقيق ذلك".
إنشرها