.. بل الموارد محدودة شئنا أم أبينا

|

هل الموارد من أرض وما عليها محدودة؟
نعم هي محدودة، بمعنى أنها ليست متوافرة كما يشتهي البشر. بل خلق الله الأرض وما عليها بحدود ومقادير. ولولا ذلك لما كان هناك من معنى للصدقة والبيع والشراء والمعاملات التجارية والمالية كافة، ولما وجد شيء اسمه عرض وطلب، ولما كان للنقاش الاقتصادي أصلا فائدة. الموارد متوافرة بلا حدود لأهل الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها.
الإشكال أن كثيرا من الناس يتكلمون ويطالبون ويتصرفون كما لو أن الموارد مفتوحة، وبالأخص خلال الطفرات وغلبة العادات.
بل اختلط الأمر أو ساء فهمه أو التعبير عنه حتى على بعض من يكتبون تحت مسمى الاقتصاد الإسلامي. كيف؟ يقول بعضهم كلاما يعكس سوء فهم أو مجرد اختلاف في التعبير إلى حد كبير، بما لا يلغي مبدأ المحدودية. كقولهم إن المشكلة ليست في المحدودية ولكن بسبب أمور أخرى كإسراف وتبذير بعض البشر. انظر، مثلا، كتاب الدكتور عيسى عبده رحمه الله "الاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج" 1974، الصفحات 32ــ34. مما قاله "أما الاقتصاد الإسلامي فيقرر أن الأصل في الخلق هو الوفرة.. الوفرة المطلقة والوفرة النسبية...".
لم يقل علماء الاقتصاد ولم تقل كتبه بوجود ندرة بصورة مطلقة. أما التبذير وتبديد الموارد وتضييع المال وما إليه، فلا شك في وجودها، فهي من أوضح الواضحات، ولكنها تزيد من القناعة بوجود المحدودية. لا معنى أصلا للتبذير والإسراف وتضييع المال دون وجود محدودية الموارد.
نعرف أن بعض الناس مسرفون مبذرون، ولدينا عادات تشجع على الإسراف والتبذير. وينبغي أن يتعاون أفراد وفئات المجتمع ومثقفوه وعلماؤه في محاربة السلوكيات السيئة. وأذكر من هؤلاء، على سبيل المثال وليس الحصر، علماء الدين والاجتماع وعلم النفس والاقتصاد.
وأرى أن مصدر سوء فهم معنى كلمة scarcity الواردة في بعض كتب علم الاقتصاد، راجع إلى أنها ترجمت بكلمة ندرة مجردة. أي أنه يظهر لي أن المشكلة تتركز في اختيار كلمة ندرة للدلالة على المعنى المقصود من كلمة scarcity. وقد أخطأ من نظر إلى الكلمة فقط، دون الشرح.
أختتم في توضيح ما تعنيه كلمة scarcity بعرض شيء مما ورد في كتاب بول سامولسون وويليات وردهاوس "الاقتصاد" الذي كان أشهر كتاب على مستوى العالم في مبادئ الاقتصاد، الذي طبع أكثر من 18 طبعة، وبيعت منه ملايين النسخ، وترجم إلى أكثر من 40 لغة، منها العربية.
يقول الكتاب: "فإذا كان في الإمكان إنتاج كميات غير محددة من كل سلعة، أو إذا أشبعت كل الحاجات البشرية بالكامل، فماذا ستكون النتيجة؟ لن يقلق الناس على وضع ميزانية لدخلهم، لأن في وسعهم الحصول على كل ما يريدون، ولن تضطر منشآت الأعمال إلى الشعور بالغيظ من تكلفة رأس المال أو تكلفة الرعاية الصحية، ولن تحتاج الحكومات إلى الكد من أجل الضرائب أو النفقات، لأن أحدا ما لن يهتم. فطالما كان في وسع الجميع الحصول على كل ما يرغبون فيه، فلن يهتم أحد بمسألة توزيع الدخل بين مختلف الناس أو الطبقات.... ولن تكون هناك صلة ما بين الأسواق والأسعار، ولن يكون لعلم الاقتصاد أهمية أو فائدة". ص 30. في مثل رخاء جنة عدن هذا، لن يكون هناك شيء اسمه سلع اقتصادية، فليس ثمة سلع نادرة، بل ستكون جميع السلع مجانية، مثل الرمل في الصحراء، أو الماء عند الشاطئ، ولن تكون هناك صلة ما بين الأسواق والأسعار، ولن يكون لعلم الاقتصاد أهمية أو فائدة".

إنشرها