السلوك المالي والحالة الذهنية

|

هل يكفي التعلم السريع لتحسين السلوكيات المالية بشكل مؤثر؟ تشير الدلائل إلى النفي. الفراغ الموجود بين ما نملك من ثقافة مالية وبين ما يجب أن نمتلك كبير جدا، فهناك كم هائل من المفاهيم الأساسية والممارسات والأدوات التي تغيب عن معظمنا، وقبل ذلك الاستعداد النفسي والعاطفي لتغيير السلوك. وعلى الرغم من وجود عدد لا بأس به ممن يملكون الحرية المالية، إلا أنهم لا يملكون الرغبة أو المهارة اللازمة في نشر تجاربهم، وربما لا تناسب تجاربهم في الثراء زماننا الحالي وذلك لأن ثراءهم نتج عن ظروف استثنائية استفادوا منها.
ينتظر بعضنا تحسنا في السلوكيات المالية بعد خروج عدد من البرامج التربوية والتثقيفية في المجال المالي الشخصي إضافة إلى تبني عدد من المنظمات والأفراد هذه المسؤولية الجسيمة، لكن التحسن المتوقع طفيف لأن معظم البرامج التربوية لم تجرب جيدا بعد، والتثقيفية تأسيسية في محتواها وعرضها، والأفراد الملتزمين تطوعا بجهودهم الشخصية يمكن عدهم على أصابع اليد. تسهم التغييرات الاقتصادية في صنع حوافز لا يمكن تجاهلها، وربما تظل هذه الأخيرة هي الأكثر تأثيرا، سواء كان الحافز متعلقا بتقلبات الدخل والأسعار أو بالتكاليف الجديدة كالضرائب. هذا الأمر يقودنا إلى الحديث حول الحالة الذهنية المطلوبة لتحسن السلوك المالي، التي في نظري متطلب "قبلي" لأي تغيير سلوكي إيجابي. أعتقد أن تعلم المفاهيم الأساسية والتعرف على الممارسات الجيدة وحيازة الأدوات على الأرفف وفي الأجهزة الذكية لن يصنع فارقا كبيرا مادامت الحالة الذهنية ليست بالتركيز الكافي لتحقيق هذا التغيير المهم.
تشير البحوث العلمية إلى تأثر الثقافة المالية بالرضا المالي، والمعتقد، والحصول على التوجيه والإرشاد النفسي. في نتائج متناقضة يرفع الرضا المالي – وهو رضا الفرد عن حالته المالية الشخصية – من فرصته في الحصول على مستوى جيد من الثقافة المالية، وهذا أمر طبيعي ومتوقع إذ تدفع الطمأنينة نحو الإرادة والتركيز وبالتالي التغيير. وفي الطرف الآخر - تناقض لا ينكر صحة الأول – نجد أن "عدم" الرضا المالي قد يصبح حافزا لتحسين مستوى الثقافة المالية، حيث يدفع القلق والضغط الفرد نحو السعي الذاتي للتحسن، ولكن هذا قد يأتي بنتائج عكسية؛ والرضا المالي كذلك. أما العلاقة بين المعتقد والثقافة المالية فهي أيضا مثبتة علميا؛ وفي الأساس لا يخفى اهتمام الشريعة بقيم إدارة الأموال إنفاقا وادخارا واحتياطا للمستقبل ويتأثر كل فرد بمقدار قوة إيمانه بهذه القيم.
تثبت البحوث كذلك أن الحصول على التوجيه والإرشاد المالي ومعالجة كل حالة على حدة حسب وضعها يرفع من نسبة تحسن الثقافة والممارسات المالية. ينطبق هذا الأمر على دعم الحالات الشديدة التي تواجه الفقر وخطر التسول والعيش بلا مأوى.
هناك أيضا دعوات لاستخدام الاقتصاد السلوكي كمدخل لتحسين الثقافة المالية، خصوصا عند المقارنة بوسائل تحسين الثقافة المالية المعتمدة على التلقين المباشر للمبادئ والمعلومات التي لا تؤثر على السلوك كما يجب. حسب وجهة نظر هؤلاء، يستهلك الفرد الخدمات والمنتجات بطريقة لا تخدم مصلحته الشخصية، وهذا عائد للتحيزات النفسية والعاطفية التي يعيشها كمستهلك خصوصا تلك التي تنتج عن المغريات المتجددة؛ لذلك ينبغي على برامج التوعية والتثقيف المالي أن تقدم أدوات عملية تقترب من المستهلك أكثر من القيمة التي يسعى لها كي يتخلص تدريجيا من هذه التحيزات التي تؤثر على سلوكه بشكل سلبي. عمليا، يمكن تعريف المستفيد بأهم التحيزات التي يتعرض لها أثناء تجاربه الشرائية، ويمكن كذلك توجيه الجهات الإشرافية لضبط الخدمات التي تخضع لها باعتبار حجم الضرر الذي يقع على القطاع من السلوك المالي السلبي.
تبدأ معظم كتب الثقافة المالية بالحديث عن تحديد أهداف الحياة الشخصية ومهارات التخطيط والانضباط وهذا أمر طبيعي يعيدنا دوما إلى المربع الأساسي، فالمسألة ليست مالا واقتصادا فقط وإنما فكر وسلوك. هشاشة الأساس الفكري وضعف المهارات الحياتية الأساسية أكبر عائق نحو تحسين السلوكيات المالية. لن ينتفع الفرد كثيرا بالحديث عن خيارات الاستثمار وتحليل معدلات القروض أو أسعار السلع إذا كان يفتقر إلى الدافع الذي يمكنه من صنع القرار السليم وممارسة صنع القرار السليم بشكل مستمر. يجب أن نبحث عن - أو نصنع - الحالة الذهنية الملائمة واللحظة التي تتغير فيها حياتنا إلى الأبد قبل أن نحاول استخدام المعرفة بشكل مباشر لتغيير السلوك، فالمعرفة في حد ذاتها لا تكفي لتغييره.

إنشرها