دروس من الحج

|

في خبر قرأته في إحدى الصحف، لفت نظري حجم المخلفات التي خلفها الحجاج في مشعر عرفات، إذ ذكر الخبر أن حجم المخلفات بلغ 15 ألف طن، هذه الكمية من النفايات لمدة ساعات قضاها الحجاج، فكيف بما سيخلفونه في منى؟! في مشهد مصور من عرفات يعرض فيه أحد الإخوة الحجاج بحسرة كراتين، وقوارير هائلة من المياه التي لم تستخدم مرمية على الأرض، وهي من تبرعات المحسنين، قدمت بحسن نية، وطلبا للأجر، لكن النتيجة تركها على الأرض، وفي الشمس في منظر مؤسف، ليكون مصيرها مكب النفايات. تأملت في الخبر، وفي المشهد، وتساءلت بحرقة: لماذا هذه التصرفات؟ وهل هي قلة اهتمام بالنعمة؟ أم ثقافة؟
ليس من السهل إعطاء إجابة نهائية، لكن هل أي فرد ممن فعل هذا الشيء سيقوم بنفس الشيء لو أنه اشترى الماء بماله الخاص؟ لا أعتقد ذلك إلا في حالات نادرة ممن يمكن اعتبارهم من المبذرين والمستهترين بالنعمة، وما عدا ذلك سنجد الجميع يحافظ على ما دفع فيه المال. هل للثقافة دور في هذا التصرف؟ وما طبيعة هذه الثقافة؟ وهل يفعل المرء هذا الفعل في بيته؟ أو يرضى أن يأتيه ضيف ويفعل الشيء ذاته؟ استثيرت هذه التساؤلات في ذهني وأنا أشاهد المنظر البشع الذي لا يليق أن يقوم به أي فرد، في أي وقت، وأي مكان، فكيف بمسلم فعله، وفي موسم الحج، وفي يوم الحج الأكبر، وفي صعيد عرفات؟! المملكة بلد صحراوي، شحيح المياه، بحاجة إلى توفير كل قطرة، ومن تبرعوا بها يبتغون الأجر، والثواب امتثالا للحديث الشريف « ... قلت فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء»، لكن التصرف تترتب عليه آثار سلبية، منها وضع المال في غير مواضعه الصحيحة، إذ إنه لم يستخدم بالشكل الصحيح، بل تحول إلى صورة من صور الإسراف الذي نهانا عنه الله في قوله تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين"، ونهانا عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - « أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وأن كنت على نهر جار».
أستراليا طبقت الحديث الشريف، حيث وضعت على قوارير المياه الحديث الشريف، بهدف حث الناس على الاقتصاد في المياه، وهي البلد الممطر، الغني بالأنهار، بينما نحن الأولى بتطبيق الحديث، تعبدا، ومحافظة على الثروة المائية النادرة!
من الآثار السلبية لصورة كراتين المياه، وقواريره، المرمية بصورة بشعة، إعطاء صورة سلبية عن المسلمين، في زمن تنقل الصورة لكل أنحاء العالم، في ثوان، فالمشاهد غير المسلم سيتساءل باستغراب، كيف بالمسلمين أن يفعلوا هذا، ودينهم يحثهم على النظافة، وعدم الإسراف، والإحسان، لأن الفعل يتنافى مع كل هذه القيم، فهل يرضى المسلم الذي بذل المال، وجاء من أقاصي الدنيا أن يسهم بتصرفه، غير الحضاري، في تشويه الصورة العامة للمسلمين. المملكة حكومة وشعبا تبذل كثيرا من المال، والجهد، من أجل الحجاج، لكن تصرفات كهذه تحتاج إلى المراجعة، خاصة أن الحكومة توفر المياه.
المشكلة سلوك فردي، وثقافة، وآلية عمل تتمثل في طريقة التوزيع، السلوك الفردي يمكن الحد منه بمنح الفرد قارورة، أو اثنتين، بدلا من الكراتين التي يكون مصيرها مكب النفايات، كما أن من أساليب المعالجة التفكير في آلية سقيا الماء، كأن تكون على شكل حنفيات تغذى من مصدر واحد، ويعطى الناس المحسنون فرصة المشاركة في توفيره، بحيث يأخذ الحاج حاجته من الماء، بدلا من القوارير التي يشرب جزءا منها، ويرميها في الشارع، بما تبقى منها. كما أن الجهات الموكلة إليها مهمة توزيع الشاحنات والبرادات لها دور في الحد من الظاهرة، إن لم تكن جزءا من المشكلة، إذ قد تكون هي من ترك كراتين المياه في شوارع عرفات.
جوهر المشكلة الثقافة التي تشكل وتوجه السلوك، لذا ما أحوج المسلمين إلى مراجعتها، وهذا الأمر ليس مهمة المملكة وحدها، رغم ما تبذله من جهد في هذا الموضوع، ولذا فحكومات الدول الإسلامية معنية بتثقيف حجاجها بشأن الحج، وما يجب عليهم فعله، والالتزام به من نظافة ونظام، وكما أعلم، ماليزيا لها جهودها في تثقيف وتدريب حجاجها ومعتمريها.
كما أن السفارات السعودية يمكنها المساهمة في هذا الشأن من خلال برشورات مكتوبة ومصورة بلغة البلد الذي توجد فيه، ترفق بجواز الحاج حين يمنح تأشيرة الحج، تحث على النظام والنظافة، مع ربط التعليمات بالتوجيهات الدينية.

إنشرها