«الدواعش» .. واستغلال قصة «أبو عبيدة»

|
حين كنا طلابا في المرحلتين المتوسطة والثانوية تم تلقيننا أن الصحابي الجليل "أبو عبيدة بن الجراح" قتل والده لأنه كان مشركا. واستمرت القصة تتناقلها أجيال بعد أجيال. لنكتشف بعد سنوات أن القصة غير حقيقية وروايتها ضعيفة ولم يروها أحد لا من الصحابة ولا التابعين ولا كبار المفسرين بل رواها راو منفرد برواية ضعيفة بعد 80 عاما من انتشار الإسلام. وقوبلت هذه الرواية بتحفظ من قبل كبار المفسرين ورواة السير والأحاديث وهي لا تختلف عن القصة المكذوبة التي روت أن الخليفة عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ قد دفن ابنته في التراب لنكتشف لاحقا أنه لا سند لها ولم يكن لابن الخطاب سوى ابنته "حفصة" التي كبرت وزوجها للنبي صلى الله عليه وسلم لاحقا. هذه القصص المدسوسة لتشويه صورة الصحابة رضوان الله عليهم لا تتفق مع العقل وتناقض بوضوح نصوص القرآن الكريم التي أمرت بالإحسان للوالدين حتى لو كانا مشركين. وقد تتبعت بنفسي قصة "أبو عبيدة" في معظم الروايات التي قيلت فيها بعدما تم استغلالها مع الأسف من كثير من المتطرفين والدواعش الذين وثقوا عشرات المقاطع لقتل آبائهم أو أقاربهم متخذين من هذه القصة دليلا على صحة معتقدهم الضال والعياذ بالله. وقد وجدت بعد بحث أن هذه القصة مع الأسف يتداولها العامة دون تمحيص والروايات فيها منقطعة ولم تصح، وتحفظ عليها كبار المفسرين ومنهم "الذهبي" ولم يروها إلا "الحاكم والبيهقي" ولكنهم ضعفوها قال "البيهقي" في كتاب السنن "هذا منقطع" وقال "الحافظ" في كتاب "التلخيص الحبير" هذا "معضل" لأنه جاء عن راو واحد لم يدرك الصحابة ولم يسمع منهم. قال تعالى: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا"، والمعروف هو البر والصلة والعشرة الجميلة. والقصة بروايتها الحالية تناقض هذه الآية الكريمة فلا يمكن أن يأمرنا الله سبحانه بالإحسان للوالدين حتى لو كانا مشركين ثم يمتدح أبا عبيدة لأنه قتل والده المشرك؟ "والطبراني" نقل الرواية في كتابه "الكبير" عن "ابن شوذب" وهو الراوي الوحيد للقصة وقد ولد "ابن شوذب" عام 86 للهجرة. وتوفي عام 156. أي أن هذا الراوي لم يدرك الصحابة أو التابعين ولم يعاصرهم أو يرو عنهم. واعتمد "أبو نعيم" في المعرفة و"الحاكم" في المستدرك على رواية الطبراني، الضعيفة. وسنده مرسل منقطع، وذكر "البغوي والثعلبي" وغيرهما عن "مُرة الهمداني" أن قصة أبي عبيدة بن الجراح وقتله أباه يوم أحد، ليس لها سند تام، قال ابن عساكر في "تهذيب تاريخ دمشق": قال المفضل ابن غسان: كان المحدث "الواقدي" ينكر أن يكون "أبو أبي عبيدة" أدرك الإسلام، وينكر قول من قال إن "أبا عبيدة" لقي أباه في زحف فقتله، وقال الواقدي: سألت رجالا من "بني فهر" منهم "زفر بن محمد" وغيره فقال: توفي أبوه قبل الإسلام. أما كبار المفسرين ومنهم "قتادة ومجاهد والطبري" لم يذكروا سبب النزول في تفسير قوله تعالى "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله"، أي المقصود "أبو عبيدة" كما شاع عند المتأخرين. أما المفسرون "القرطبي والواحدي وابن كثير" فقد أوردوا أكثر من سبب لنزول الآية غير قصة أبي عبيدة وتحفظوا على قصة أبي عبيدة لانقطاع سندها. وملخص البحث السابق أن هذه القصة مصدرها رجل جاء بعد الصحابة والتابعين بـ86 عاما ولم يسند روايته بدليل يثبت صحتها ونقلت عنه بعض كتب التراث بتحفظ لكن مؤلفي مناهجنا السابقة نقلوا القصة دون تمحيص، واعتبرت بعد ذلك من المسلمات التي لا يمكن التشكيك فيها! وقصة أبي عبيدة لا تختلف عن قصص أخرى دينية وأدبية وتاريخية تمتلئ بها كتب التراث وهي نتاج مرحلة اهتمت بالتدوين وحشو الكتب بعشرات القصص الضعيفة والمكذوبة دون إخضاعها للبحث والتحليل. لكن الخطورة في قصة أبي عبيدة ــ رضي الله عنه ــ كما قلت في بداية المقال الاستغلال البشع لها من المتطرفين لتنفيذ أفكارهم الشيطانية وإضفاء روح الشرعية عليها. فهل ينتبه القائمون على المناهج الحالية من خطورة مثل هذه الأطروحات؟
إنشرها