القلق الاقتصادي من المستقبل

|

وردتني عدة أسئلة من زملاء ورجال أعمال حول ما أثير في مقالات عن تنبؤات اقتصادية مستقبلية مظلمة نظرا للتأثيرات الحادة جدا لرسوم العمال الأجانب وأن كثيرا من العمال سيغادر المملكة، وهذا سيكون له أثر بارز في المواطنين. وقد رأيت أن يأتي ردي على هذه الأسئلة جميعها من خلال هذا المقال. وبداية فإنني أؤكد على عبارة "تنبؤات اقتصادية"، فكل ما يقوله الاقتصاديون عن الغد وما بعده هو مجرد "تنبؤات"، لكن تجب ملاحظة أن يكون التنبؤ بالمستقبل موضوعيا ومستقلا، وليس لرغبة في توجيه الاقتصاد فعلا نحو هذه التنبؤات أو إقناع صاحب القرار على تغيير قراره على أساس أن التنبؤ صحيح وكأنه علم الغيب. الأمر الآخر أن بقاء الحال كما هو عليه اليوم من إغراق العمالة الأجنبية وسوء الإنتاج وانخفاض في الأجور وارتفاع في البطالة سوف يقود إلى كارثة قريبة حقيقية وليس تنبؤات، ولذا فإن أي تحرك اقتصادي من جانب الحكومة لحلحلة الوضع القائم الآن وتغير الاتجاه الخطير هو أمر جيد على كل حال، والمقالات التي تستخدم للتخويف والتهويل من آثار رسوم المقيمين الأجانب لا يقف وراءها من قرأ الوضع القائم الآن بكل حيادية وأن الوضع يحتاج فعلا إلى خروج الفائض من العمال الأجانب وأن تتخلى الحكومة عن دورها في توجيه الاقتصاد والتوظيف المستقل عن سوق العمل الحقيقية ومهما كانت النتائج مؤلمة في المدى القصير. فواقعنا يشير بكل صدق إلى أننا نعاني إغراقا عماليا أجنبيا أكل الأخضر واليابس، وقد كتبت عن هذا مقالات عديدة ولسنوات. وإنني أكاد أجزم بأن الأمر سيكون على خير بإذن الله مع القرارات الأخيرة بشرط الاستمرار في الضغط على العمال الأجانب وعدم التراخي مع القطاع الخاص لتصحيح مساره. لعل أخطر ما نمر به اليوم هو القراءة الخاطئة لزيادة فرص توظيف العمال الأجانب وإنتاج التأشيرات على أساس أن ذلك نتيجة نمو الاقتصاد وقدرته على إيجاد فرص عمل، والحقيقة عكس ذلك تماما، فكل اقتصاد له حدوده وفرص العمل أصبحت لدينا محدودة ويتنازع عليها عدد كبير من العمال الأجانب الذين تسببوا في بطالة مقنعة وضغط هائل على الأجور (وهذه قاعدة اقتصادية معلومة فإذا زاد العمال عن حاجة الاقتصاد انخفضت الأجور)، ولقد وقفت بنفسي على محال تجارية ومطاعم ومستوصفات يعمل فيها العشرات والعشرات من العمال الأجانب، وأكاد أقسم أن الدخل لا يفسر كل هذا العدد، إذ كيف يستطيع محل صغير لا تتجاوز مساحته 100 متر مربع أن يوفر دخلا مرضيا لأكثر من 26 عاملا تراهم أكثر من الزبائن إلا مع انتشار ظاهرة التستر وتأجير المؤسسات للأجانب، ولهذا اتجه متوسط أجر العمال الأجانب إلى أقل من 1000 ريال تقريبا لكثرتهم في المحل الواحد، بينما متوسط أجر العمال السعوديين خمسة آلاف ريال إذا وجد فرصة للعمل ودفع صندوق الموارد البشرية نصفها حتى حين، وبهذا وصل الأمر إلى ألا يجد طبيب أسنان وظيفة إلا بأقل من ثلاثة آلاف ريال. ويرضى العمال الأجانب بذلك الفرق والتناقص فيه بل يسعون على تأكيده لحجم الإغراق في سوق العمل من ناحية وأن الاقتصاد السعودي يمتص البطالة في الدول الأخرى فالعمال الأجانب إذا لم يرضوا بهذه الأجور هنا فلن يجدوا عملا في بلادهم على الأرجح. وإذا استمر الحال هكذا فسوف يزيد الضغط على الخدمات الحكومية والطرق والمنشآت وغيرها بشكل ضخم، ولن يدفع العمال الأجانب في مقابل إصلاحها شيئا، وزيارة عابرة لجدة القديمة بعد كل الجهد الذي بذلته الحكومة لترميمها يشرح لك القصة وأن الحكومة لم تعد قادرة على ملاحقة ضغط العمال الأجانب على الخدمات. ومن يشاهد كيف تتآكل الخدمات العامة بسرعة يعرف حجم المشكلة وعندما تصبح فرص العمل نادرة جدا للسعودي، إلا عند مستويات أقل من خط الفقر، وعندما تصبح المعيشة صعبة جدا ومؤلمة كيف تكون تنبؤات من يحذر الآن من رسوم العمال الأجانب وكيف ستكون تصرفات من يقلق منها؟ الأمر الآخر هو أن الاقتصاد السعودي حاليا يعاني قاعدة أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول، فنظرا للتسعير المنخفض لتكلفة العمل والأجور وظاهرة الانخفاض الوهمي للأسعار انتشرت السلع المقلدة التي طردت الجيدة من السوق، والعمالة غير المدربة تسببت في طرد العمالة الماهرة، ودخول كثير من التجار إلى أنشطة اقتصادية غير مؤهلين لها ولا مدركين لأهمية التخصص فيها، طرد الاحتراف في العمل. وعليه فإن تنظيف السوق والرسوم سوف يقودان إلى خروج كل ما هو رديء ويمنح كل ما هو جيد فرصة للعودة، فمن ليست التجارة مهنته الحقيقية بل هو مجرد مستفيد من عمال أجانب وتستر تجاري في هذا النشاط وفي ذاك، في الزراعة والطب والهندسة والتجزئة وحتى السباكة وبيع وذبح الأضاحي في العيد سوف يخرج من الأسواق، فلم تعد العوائد تبرر المخاطرة، وكل من لديه مصنع ينتج سلعا سيئة ويقلدها عمال غير مهنيين بل مجرد عصابات إجرامية، سوف يخرج لأن العوائد لا تبرر التكلفة، وكل مهندس لا يجيد الهندسة وكل طبيب لا يعرف من الطب شيئا سوف يخرج لان أجره سيصبح مقاربا للمهني الحقيقي وسوف ينكشف عندها عواره، وهنا سوف ترتفع مستويات الإنتاج والمنافسة على الأسواق وفقا للجودة، سوف يكون هناك كثير من فرص العمل الحقيقية في القطاع الخاص لأن العوائد ستكون أفضل، ولا مكان لغير المهني المحترف. في هذه الاتجاهات التصحيحية ستصبح الأجور في الحكومة غير مغرية لكثير من الشباب، طالما الأسواق أفضل عوائد وأكثر أمانا في المستقبل، وتمنح حرية في التنقل، وهنا سيكون القطاع الخاص هو المحرك للاقتصاد فعلا، والقدرة الشرائية الأساسية هي في يد عمال القطاع الخاص، وهم القادرون على الشراء عند مستويات الأسعار في ذلك الوقت، ومع خروج الفائض من العمال الأجانب سوف تتحسن الخدمات الحكومية، لأن الضغط على الخدمات أقل، ومن ثم تتحسن المعيشة أكثر، وتقل الظواهر السلبية. عند هذه المرحلة سيكون الاقتصاد قد نضج تماما وأصبحت قدرة الدولة على التحكم فيه من خلال الضرائب قد تحسنت أيضا، وستكون التعديلات الضريبية حينها وفقا لظروف الحال، في مثل هذا المستقبل سيكون الحال أفضل ولا داعي للقلق أبدا إلا إذا تراجعت الحكومة عن هذا الاتجاه تحت ضغط التخويف من الآثار الاقتصادية.

إنشرها