وزارة التعليم .. والثقافة المالية

|

تتجه وزارة التعليم إلى إلزام جميع الطلاب والطالبات في جميع الجامعات والكليات في شتى التخصصات بدراسة مقرر إلزامي عن الثقافة المالية يكون ضمن خططهم الدراسية. والأمر ليس مقتصرا على طلاب المرحلة الجامعية وما في مستواها فحسب بل سيفرض أيضا على طلاب التعليم العام حيث ستضاف موضوعات عن المال والادخار في بعض المقررات بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية ومن ضمنها اللجنة الوطنية للادخار. هذا ما نشرته صحيفة «مكة» في عددها الصادر الأسبوع الماضي.
وهذه خطوة مباركة تدل على أن الوزارة تتجه بالتعليم إلى مساره الصحيح وتهتم بما يمس حاجات النشء في حياتهم الواقعية، فكثير مما يدرس لأبنائنا في المدارس والجامعات لا علاقة له بالواقع ولا يستفيد منه الطالب لا في حياته ولا بعد موته وإنما يختزله في ذهنه لحين حصوله على ورقة (شهادة) تمكنه من العمل والوظيفة ثم يتعمد حذفه ونسيانه.
ورغم هذه الخطوة الإيجابية إلا أن تطبيقها ليس بالأمر الهين. فإكساب الطلاب مهارات التعامل مع المال يتطلب تغيير أفكار وقناعات استقرت في أذهانهم منذ ولادتهم بترسيخ من المنزل والمدرسة والإعلام والرفقة. كما أن التوجه لتعليم الناس إدارة أموالهم الفردية يعني الدخول إلى نادي الأثرياء، وعمل كهذا محارب منذ الأزل في شتى الثقافات والاقتصادات. إضافة إلى أن مصطلح "الثقافة المالية" مصطلح متشعب له علاقة بعدة علوم وتوصيله للطلاب يحتاج إلى خبرات ومراجع وورش عمل. وفي هذا المقال أريد أن أطرح وجهة نظري حيال هذا الموضوع مبينا بعض الآليات التي قد تفيد وزارة التعليم في التغلب على بعض معوقات التطبيق.
أولا مصطلح "الثقافة المالية" متشعب ومتداخل وله علاقة بعدة علوم يصعب فصلها عن بعضها، ومن أراد أن يعرف أصول المال وطريقة المحافظة عليه واستثماره فعليه أن يلم بشيء من تلك العلوم التي تشعبت وأصبحت علوما مستقلة في وقتنا الحاضر ولكنها تظل متداخلة. فالمال والتمويل والمالية وما يدور في فلكها من مصطلحات كالمحاسبة والعمليات والتسويق أتت من إدارة الأعمال. ورغم أنها تخصصات منفصلة إلا أنها متداخلة ومتشابكة. فعلى سبيل المثال يصعب فصل التمويل عن المحاسبة فمن أراد أن يعرف تقنيات المحاسبة فعلية أن يلم بالتمويل، ومن أراد أن يفهم التحليل المالي ونماذج التمويل فعليه أن يتقن القوائم المالية في المحاسبة.
لذا تكمن صعوبة الاستفادة من مادة "الثقافة المالية" التي تنوي وزارة التعليم إلزام الطلاب بدراستها في أن فهم طبيعة وحركة المال يتعين له فهم مصطلحات أخرى أصبحت في وقتنا الحاضر تنتمي إلى علوم منفصلة ولكنها في الوقت نفسه متداخلة.
الذي دعاني لهذه المقدمة المصطلح الذي استخدمته الوزارة في تقريرها مصطلح "ثقافة مالية". هذا المسمى أزعجني كثيرا لأنه يدل على أن الوزارة لا علم لها بهذا التشعب وغير مدركة لحجم الموضوع وتظن أن التعامل مع المال لا يتعدى قراءة موضوعات من هنا وهناك وكأنها تريد فقط حشو أذهان الطلاب بمعلومات ونصائح عن المال تضاف إلى الكم الهائل من المعلومات التي تختزل في أذهانهم ثم تتبخر مع آخر سؤال في الاختبار. مادة بمسمى "ثقافة مالية" يتبادر إلى الذهن أنها مادة على الهامش تشابه إلى حد كبير الكم الهائل من المواد الذي لا يحتاج إليه الطالب من متطلبات الجامعات والمدارس.
ولو افترضنا جدلا أن وزارة التعليم أدركت كل هذا فمن يعلق الجرس؟ أي من سيقوم بتدريس وتدريب الطلاب وتثقيفهم عن أصول المال وكيفية التعامل معه؟ هل لدى الوزارة معلمون ومدربون أكفاء يتولون هذه المهمة؟ فتعليم الشبيبة مهارة إدارة الأموال الفردية يحتاج إلى خبرات عالية في مجال الإدارة والأعمال، وبحكم قربي من هذا المجال لا توجد مثل هذه الخبرات أو بالأصح توجد خبرات ولكنها متواضعة وبعض منها مغلوطة. فلا يكفي العرض النظري للمصطلحات المالية بل يحتاج الوضع إلى ورش عمل وتدريب إذا كانت الوزارة بالفعل جادة في إكساب مهارات الأموال للنشء الجديد. أما إذا كان الأمر مجرد موضوعات ونصوص متناثرة تلحق باللغة العربية أو بمادة المكتبة يقرأها على مسامعهم أحد المعلمين في فترة الفراغ لا يعرف عن المال إلا أنه نقود تسهل علمية البيع والشراء.
كما أن موضوع الثقافة المالية ليس مقتصرا على نقص الخبرات وتشابك المصطلحات بل يتعدى ذلك إلى النماذج والنظريات. فعلى سبيل المثال هناك اختلافات جوهرية بين إدارة أموال المنظمات التي تُدرس في كليات الأعمال في الجامعات وإدارة أموال الأفراد التي يحظر تدريسها في كثير من الاقتصادات بسبب سيطرة الرأسماليين منذ الأزل على خطط التعليم وتوجيهها من أجل أن يبقى الناس أميين في مجال المال ويرضوا بأن يكونوا موظفين يعيشون على فتات الموائد ويستأثر أرباب المال بالمال والثراء، وهذا ما سأتطرق له في مقال الأسبوع القادم إن شاء الله.

إنشرها