الأسواق الناشئة تحت المراقبة

رغم التحفظ في التفاؤل حيال الأسواق الناشئة في الفترة الراهنة، إلا أن هذه الأسواق تبقى الأكثر حراكا ونشاطا، لأسباب عديدة، في مقدمتها أنها تتفوق من حيث النمو على غيرها من البلدان، إضافة إلى الدعم الذي تلقاه من حكوماتها بصورة مباشرة، إلى جانب طبعا، الإغراء الذي لا يزال موجودا بالنسبة للمستثمرين الأجانب في الأسواق الناشئة، دون أن ننسى، أن هناك مخاوف كبيرة لا تزال قائمة في اقتصادات البلدان المتقدمة، ولا سيما تلك التي أنتجها توجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب نحو الحمائية. وهذه الأخيرة أحدثت إرباكا واضحا حتى في قلب أوساط الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، ولا تزال تؤثر سلبا في العلاقات بين الحلفاء التاريخيين. وأيا كانت أوضاع الأسواق الناشئة، فإنها تبقى في الواقع المحرك الرئيس للنمو العالمي، وذلك بتأكيدات متجددة من المؤسسات الاقتصادية الدولية العالمية، من بينها صندوق النقد الدولي. المشكلة البارزة حاليا، هي تلك التي تتعلق بمستقبل النمو في الأسواق الناشئة. هناك كثير من المخاوف المبررة حول إمكانية أن يتراجع النمو فيها بصورة كبيرة ومؤشرة، الأمر الذي سينعكس سلبا ليس فقط على الاقتصادات المحلية لهذه الأسواق، بل أيضا على الاستثمارات الخارجية الضخمة التي تحتضنها. ومنها بالطبع استثمارات الشركات الأمريكية. وكلها شركات باحثة "بالطبع" عن الأرباح بأقل قدر من المخاطر. والمشكلة الرئيسة في هذا المجال، ترتبط بصورة مباشرة بالخطر المحدق بالاقتصاد الكلي في هذه البلدان. علما أن بعض البلدان الناشئة خرجت بسرعة من الركود قياسا بالبلدان المتقدمة، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية. غير أن هناك دائما حذرا من ضعف النمو، أو تراجعه، كما حدث "على سبيل المثال" مع تقديرات النمو في الصين، التي خفضتها أكثر من جهة اقتصادية عالمية في الآونة الأخيرة. غير أن الذي يخفف بعضا من المخاوف المطروحة في هذا السياق، أن صادرات بلدان ناشئة بدأت منذ فترة تذهب إلى بلدان ناشئة أخرى، ما يعزز الحراك التجاري ضمن شريحة البلدان ذات المعايير الاقتصادية المشابهة، والقيم المالية المتقاربة. لكن أيضا لا يعتبر هذا التحول أو التقدم ضامنا لعدم تراجع النمو في البلدان الناشئة، خصوصا إذا ما أوفى الرئيس الأمريكي حقا بوعوده التجارية التي تتمحور حول الولايات المتحدة أولا. وفي كل الأحوال، تبقى مخاطر الاقتصاد الكلي الاختبار الأكبر للأسواق الناشئة. فهذا النوع من الاقتصادات هو في الواقع أكثر الأشكال الاقتصادية تقدما وتطورا وأمنا، كما أنه يوفر الاستدامة اللازمة لكل الاستثمارات التي تتطلبها الأوضاع الاقتصادية في هذا البلد أو ذاك. وفي المرحلة المقبلة ستكون هناك مراقبة متصاعدة على الأسواق الناشئة من هذه الزاوية الحيوية. ولا شك أن السياسات النقدية تمثل أيضا محركا إما للأمام أو الخلف في كل بلدان العالم، خصوصا الناشئة، ما يطرح مزيدا من الأسئلة حول استدامة النمو فيها وفق الوتيرة الجيدة التي كانت عليها في السنوات القليلة الماضية. ولا بد من الإشارة، إلى أن نسبة من الخبراء والمحللين يعتقدون أن تدفقات الأسواق الناشئة كانت مدفوعة بهبوط الدولار الأمريكي منذ بداية العام الجاري، إلى جانب أنها مدفوعة أيضا بالتحسن في أساسيات الأسواق الناشئة نفسها. المرحلة المقبلة، ستمثل مرحلة مراقبة من كثب لأداء الأسواق الناشئة، خصوصا في ظل الارتباك الاقتصادي العالمي، ليس فقط من المخاوف الناجمة عن سياسات ترمب، بل أيضا بسبب تعارض توجهات حتى الحلفاء التقليديين في الغرب نفسه.
إنشرها