تسخير النفط لبناء البديل

|
تخضع قيمة كل شيء إجمالا لمحددات العرض والطلب. وأي تغير أو حتى توقعات بالتغير مستقبلا في منحنيات العرض والطلب يؤثر في قيمة السلعة أو الخدمة ومدى أهميتها الاقتصادية. ولا يختلف النفط عن بقية السلع الأولية في خضوعه لهذه المنحنيات، فكونه عصب تموين طاقة العالم الصناعي يجعل من تأثيرات منحنيات علم الاقتصاد في قيمته أكثر وضوحا. ولذلك كثيرا ما نسمع عن نظريات مختلفة عن ذروة النفط. فعرض النفط يخضع لقوانين جيولوجية وفيزيائية لا يمكن كسرها، حيث تبدأ الآبار بالنضوب التدريجي بحسب معدل الاستخراج، فلا يمكن زيادة الإنتاج. أما على جانب منحنى الطلب، فإن ذروة النفط تعني انخفاض إجمالي ما يستهلكه العالم من النفط لسبب أو لآخر، ولا يعني استغناء العالم عن النفط. فالاستغناء الكلي عن النفط أمر غير متاح على الإطلاق. العوامل التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع استهلاك العالم من النفط متعددة، منها البيئية والاقتصادية والتقنية والسكانية الديموغرافية. فالمحاذير البيئية من استهلاك الوقود الأحفوري في تصاعد مستمر نتيجة الاحتباس الحراري. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مصدر طاقة بديل أقل ضررا على البيئة يعمل على أكل حصة النفط من مزيج استهلاك الطاقة العالمي. ولكن الاستهلاك بشكل عام أصبح أكثر تكلفة بيئيا نتيجة الكوارث المحدقة، التي باتت أكثر تكررا عاما بعد عام. وبالنظر إلى العامل الديموغرافي، فإن عديدا من النظريات تتوقع وصول تعداد سكان العالم إلى ذروته في عام 2050 إلى 11 مليار نسمة تقريبا، ومن ثم سيبدأ بالانخفاض تدريجيا، الأمر الذي سيعمل على انخفاض حاجة سكان العالم من الطاقة. صحيح أن الهجرة من الريف إلى المدن ستعمل على زيادة الاستهلاك، إلا أن هذا النمط يقابله أيضا زيادة متوسط أعمار سكان الأرض، ما يخفض من الإنتاجية والاستهلاك بشكل عام. لقد تعاملنا في الماضي مع النفط على أنه الوقود الأعجوبة الذي يمكنه تموين النمو الاقتصادي العالمي إلى الأبد. ولكن علينا اليوم تغيير هذه الصورة النمطية عن النفط، حيث يتحول إلى عامل أساس ومورد محوري في المرحلة الانتقالية المقبلة. فالاقتصاد العالمي لن يستمر في النمو إلى الأبد بالاعتماد على توافر الطاقة، إنما بدأ منذ عقود بالتركيز على تعظيم جانب الكفاءة. وحتى نتمكن من الوصول إلى طاقة تناسب الاقتصاد بشكله في عام 2050، فإن النفط هو المورد الأهم لبناء البنية التحتية الجديدة المتوافقة مع طاقة المستقبل. ولذلك فإن نظرتنا إلى النفط لا بد أن تحول من مورد مالي إلى ضمانة بقائنا واستمرارية عملية البناء الاقتصادي للعالم كله. هذه النظرة المختلفة للنفط كمورد هي ما نعول عليه لإنجاح رؤية النهوض بالاقتصاد السعودي وتنويع مصادر الدخل. فكما أننا نستثمر عوائد النفط في بناء قطاعات اقتصادية جديدة، فإن علينا دعم اتجاه عالمي في استهلاك النفط لبناء بنية تحتية لطاقة جديدة. وبذلك تلعب مدينة الطاقة المزمع إنشاؤها دور الجسر الذي يعبر بالاقتصاد العالمي من النفط إلى طاقة المستقبل.
إنشرها