لائحة القيمة المضافة .. النسخة الأولى

|
صدرت قبل يومين مسودة اللائحة التنفيذية لنظام ضريبة القيمة المضافة. وعلى الرغم من أن اللائحة لا تزال خاضعة للتشاور واستطلاع آراء العموم إلا أن المستند المنتظر منذ أشهر كشف كثيرا من التفاصيل ما يفتح الباب لنشاط كبير في أروقة الشركات سيمتد أثره لكثير من الأطراف في المجتمع. مرة أخرى، يثبت توقيت إصدار اللائحة جدية هيئة الزكاة والدخل في تطبيق الأنظمة الضريبية الجديدة حسب التوقيت المخطط له. استعراضا للائحة الجديدة، وفي قراءة سريعة جدا لبعض موادها، أبدأ من أسلوب ضبط التسجيل الضريبي. مع أن التسجيل سيكون إلزاميا واختياريا على حسب حجم إيرادات الشخص الخاضع للضريبة، إلا أن إلغاء التسجيل واجب أيضا في بعض الحالات ـــ حتى لمن سجل اختياريا ــــ إذ يحق لهيئة الزكاة والدخل إلغاء التسجيل متى توافرت المسوغات ولم يتقدم الخاضع للضريبة بطلب الإلغاء. وهذا الضبط موجود لأن التسجيل يمكِّن الشخص المسجل من الإقرار عن ضريبة المخرجات وخصم ضريبة المدخلات، أي الوفاء بالتزام والحصول على منفعة. فصلت اللائحة كذلك في قواعد التسجيل كمجموعة ضريبية، وهو مدخل جيد لإدارة متطلبات ضريبة القيمة المضافة على مستوى المجموعات التجارية وقد يخفف من العبء الإداري والتكاليف الضريبية المتعلقة بالعمليات التبادلية. وبما أن السيطرة المشتركة شرط للتسجيل كمجموعة ضريبية، فهذا يعني أن هناك دعوة لتوحيد الشركات الشقيقة وتبني مزيد من مكاتب خدمات الدعم المشترك. قد نرى موجة محلية جديدة من إعادة الهيكلة لأسباب ضريبية، خصوصا بعد السماح كذلك بسداد الزكاة المستحقة عن القوائم الموحدة في حالة الملكية الكاملة. من أهم ما يذكر عند الحديث عن هذه الضرائب السلع المعفاة والسلع الخاضعة لنسبة الصفر. والأخيرة محبذة للشركات لأنها تمكنهم من التسجيل مع خصم ضريبة المدخلات، وذات أثر إيجابي في المستهلك. اقتصرت اللائحة على مجموعة محددة من الخدمات المالية (المصرفية والتمويلية) المعفاة وأضافت كذلك الترخيص والتأجير للعقار السكني تحديدا. أما السلع الخاضعة لنسبة الصفر فتشمل الصادرات من المملكة إلى خارج مجلس التعاون، وخدمات النقل الدولي، والأدوية والمعدات الطبية، والمعادن الاستثمارية. لم تحدد اللائحة أي مواد غذائية أو خدمات تعليمية معفاة أو خاضعة لنسبة الصفر، أي أن جميع الأطعمة الأساسية مثل الخبز والخضار واللحوم وحتى الحليب ومنتجات الأطفال، إضافة للتعليم النظامي الخاص ستكون خاضعة للضريبة وسترتفع تكلفتها على المستهلك. لم يتم كذلك ذكر منتجات الطاقة والخدمات العامة ضمن الاستثناءات المعفاة أو الصفرية. أضافت اللائحة كذلك دعما تشريعيا لسلوك قائم يتمثل في التنسيق بين الجهات الحكومية لغرض تنفيذ النظام وتطبيقه. فنصت على جواز التنسيق مع الجهات الحكومية والهيئات لحرمان الشخص الخاضع للضريبة من الوصول إلى الخدمات والاستفادة منها. وذكرت مثالا لا حصرا خدمات العمالة والتراخيص والمنافسات. وتحدثت كذلك إحدى المواد في حق الهيئة الحصول على المعلومات بطريقة مباشرة من الجهات الحكومية والمؤسسات المالية التابعة لإشراف مؤسسة النقد. الغريب أن المادة نفسها أشارت إلى حق الهيئة في إخضاع هذه الأطراف للعقوبة في حالة عدم الالتزام بتقديم المعلومات. من الجديد نسبيا الحديث عن الاحتفاظ بالسجلات الإلكترونية. بعد أن ذكرت المادة الـ 64 من اللائحة أن حفظ السجلات والمستندات مطلوب لمدة ست سنوات على الأقل من نهاية السنة الضريبية، وإمساك السجلات وطبع الفواتير يجب أن يكون باللغة العربية، تحدثت عن مجموعة من الشروط الواجب استيفاؤها لقبول الحفظ الإلكتروني للسجلات. من ذلك، أن يكون جهاز الكمبيوتر أو الخادم موجودا فعليا في المملكة، وإذا تم الاحتفاظ به في الخارج يجب أن يكون له محطة طرفية تمكن من الوصول إلى البيانات في المملكة. لا أعلم في الحقيقة لماذا لم يتم الحديث تحديدا عن الحوسبة السحابية ما دام اللائحة تمت صياغتها في عام 2017، فالصياغة الحالية تطرح عديدا من الأسئلة. تتطلب المادة نفسها أن يتم توثيق إدخال البيانات إلى الكمبيوتر وهذا يعني وجود سجل لمستخدمي النظام المعلوماتي وتوقيت استخدامهم للنظام. وإضافة إلى ذكر اتخاذ الإجراءات الأمنية والضوابط الكافية، أتاحت اللائحة للهيئة أن تجري مراجعة آلية للنظم والبرامج، وهذا يعني أدوارا استكشافية أخرى غير الفحص والتقييم. عموما، أتاحت اللائحة في الحالات التي يشتبه فيها بانتهاك النظام أو اللائحة إجراء التفتيش وجمع الأدلة، مع أنها لم تحدد آلية تحديد الاشتباه، فهل هي نتيجة يحددها الفحص ويتم التخاطب الرسمي بشأنها أم يحق للموظف أثناء الفحص القيام بالتفتيش بناء على حكمه الشخصي؟ هناك باقة من الأحكام الانتقالية المهمة، منها معاملة العقود السابق إبرامها معاملة التوريد الخاضع لنسبة الصفر، وتقديم كل شخص مقيم وممارس نشاطا اقتصاديا تقديرا بالإيرادات السنوية في أو قبل أيلول (سبتمبر) 2017. وإعفاء من الالتزام بالتسجيل من تزيد توريداته على حد التسجيل الإلزامي دون أن تزيد على مليون ريال حتى كانون الثاني (يناير) 2019، أي إعفاء لمدة عام لبعض المنشآت المتناهية الصغر. انتقالا للتطبيق الكامل والمستقر، ستشمل التغييرات فئات متعددة من المستهلك العادي وحتى أكبر المنشآت المحلية. فعليا، بدأنا نرى استجابة المستشارين والمختصين للتكسب من الخاضعين للضريبة، وقد نسمع قريبا عن أول برنامج بكالوريوس محلي في إدارة الضريبة. أتوقع شخصيا مزيدا من الزخم في الأيام المقبلة. ستحظى اللائحة بلا شك بالأخذ والعطاء ولكنها لن تتغير جذريا عن نسختها الأولى. سيكون الوضع صعبا على الشركات التي ستتأثر مبيعاتها تبعا لهيكل التكلفة الجديد، الذي لن يتأثر فقط بالضريبة التي يتم تمريرها على سلعها، وإنما بتكلفة الأنظمة والموظفين والثقافة الجديدة التي ستؤثر في نهاية الأمر في المستهلك، الذي ينبغي أن يكون أكثر حصافة ماليا من أي وقت سبق.
إنشرها