رسوم الوافدين .. نقاط في الأهداف والتأثير والتحسين

|
زيادة رسوم إقامة الوافدين.. ما أهدافها وتأثيرها؟ وهل من مقترحات لتحسينها؟ الرسوم لها أهداف وتأثيرات عديدة، لكنني سأركز على خمسة باختصار. الأول: زيادة الإيرادات العامة غير النفطية. وزيادة في التوضيح، تفرض الدول في مختلف دول العالم رسوما وضرائب. والأهداف من الفرض عديدة لكن هدفها الأساس توفير مال بيد الدول للإنفاق على سلع وخدمات كثرت واتسع نطاق توفيرها على الحكومات في العصر الحديث. هناك سلع وخدمات توفيرها أساسا من مسؤولية الحكومات، من أمن وقضاء وتنظيمات ومرافق عامة وتبني سياسات للتطوير وخلافها مما يسمى بالسلع العامة public goods. وبعضها يشارك في توفيره القطاع الخاص، وبعضها يوفرها عادة القطاع الحكومي. الوافدون طبعا يستفيدون من توفير السلع والخدمات العامة. وقد يستفيدون من التعليم والصحة الحكوميين وقد لا يستفيدون. الثاني: رفع تكاليف توظيف اليد العاملة الوافدة.. من يتحمل التكلفة؟ يعتمد على أوضاع وظروف عديدة للمنشأة والوافد وبيئة وطبيعة العمل. مثلا يعتمد على مدى مرونة إحلال مواطن أو آلة أو تقنية أو وافد أقل رسوما مكان من زادت رسوم توظيفه. الموضوع يتطلب تفاصيل، لكني أرى باختصار أنها ستتوزع غالبا بصورة ما بين الطرفين: اليد العاملة الوافدة وأصحاب العمل. وينتج من هذا التأثير إضعاف نسبي في الطلب على الاستقدام وتوظيف الوافدين، ومن ثم زيادة نسبية في الطلب على توظيف المواطنين. وهذه الزيادة في الطلب تضغط لمصلحة أجور المواطنين. لكن وجهات النظر تختلف في حدود الإضعاف والزيادة، لأنهما يعتمدان على عوامل وظروف كثيرة، محل وجهات نظر في مدى قوتها وتحققها وتأثيرها. الثالث: رفع تكلفة السلع والخدمات جراء ارتفاع تكلفة اليد العاملة. سترتفع بصورة عامة لكنه رفع جزئي وليس رفعا مطلقا. وهذا راجع إلى انخفاض نسبة الرسوم إلى مجموع التكلفة، وإلى تفاوت مرونة العرض ومرونة الطلب للتغير في تكاليف وأسعار تلك السلع والخدمات. وهذه المرونة بلغة بسيطة تعني مدى تأثر أسعار السلع والخدمات عند ارتفاع التكاليف، ومدى تأثر الأرباح أو الطلب عند ارتفاع الأسعار. وعلينا ألا ننسى أن ارتفاع تكاليف العاملين يدفع المنشآت إلى زيادة الاعتماد على الآلة والتقنية والتقليل من الاحتياج إلى اليد العاملة. الرابع: انخفاض نسبي في الطلب على السلع، خاصة الأكثر اعتمادا على وافدين وعائلاتهم، بسبب رحيل متوقع لبعضهم. بالمقابل، سيزيد الطلب ولو قليلا على السلع من قبل مواطنين يجري توظيفهم في زيادة دخولهم. الخامس: تقليص حجم ما يسمى باقتصاد الظل والتستر. هل تنخفض أو تزيد تحويلات الوافدين؟ هناك قوى متعارضة التأثير. من جهة ستزيد تحويلات الوافدين للإنفاق على عائلاتهم التي رحلوها. ومن جهة أخرى، ستنخفض مع رحيل عدد من الوافدين أو انخفاض الطلب على الاستقدام. لكن وباختصار، أتوقع أن نسبة التحويلات إلى حجم الاقتصاد، ستزيد على المدى القصير، لكنها ستنخفض على المدى الطويل. وهنا أنتقل للحديث عن نقطة جوهرية. الأوضاع التي أدت إلى سهولة الاستقدام وكثرة عدد الإخوة الوافدين وبتكاليف استقدام وإقامة بسيطة نسبيا، وأدت إلى قوة اعتمادنا عليهم، هذه الأوضاع ليست نتاج ظروف وسياسات قريبة العهد، بل هي نتاج سنين طويلة تزيد على 60 عاما، بدأت مع تصدير النفط بكميات تجارية. وكلما مررنا بطفرة نفطية زاد اعتمادنا على الاستقدام. ومن جهة ثانية، أسهم نظام الإقامة أيضا وبصورة قوية في زيادة الطلب على الاستقدام. قدرات وطبيعة عمل ومهارات ورواتب الوافدين ومدى احتياجنا لهم ومدى إمكان توظيف مواطنين بدلا منهم، ومدى فائدتهم للوطن كله هذه ليست متقاربة أو متشابهة بل تتفاوت بين التخصصات والأنشطة والقطاعات والأعمال والمنشآت. ويؤخذ بعين الاعتبار المعدلات المتوقعة لنمو السكان والاقتصاد. من جهة ثانية، بعض الوافدين أمضوا سنين في البلاد. وبعضهم رزق بمواليد هنا. ويفترض أن يعطى اعتبار لهذه الأمور. من جهة ثالثة، متوقع أن ضرر ارتفاع تكاليف اليد العاملة على المنشآت الصغيرة وبصفة عامة أكثر من الكبيرة. لماذا؟ لأنها باختصار أقل قدرة على التكيف مع تغير الظروف مقارنة بالمنشآت الكبيرة. وهناك اعتبارات وتأثيرات أخرى يضيق عن ذكرها المقام. مبدأ فرض رسوم له أسبابه ومبرراته المعتبرة، لكنني أرى أنه ممكن تحسين بنائها بما يراعي النقاط السابقة. ومن التحسينات أيضا أنه ينبغي أن تطبق بالتدريج، أي خلال فترة أراها لا تقل عن خمس سنوات. في الختام أشير إلى أن من أقوى أدوات إضعاف الطلب على الاستقدام هو تيسير انتقال اليد العاملة الوافدة بين المنشآت. أي أن الوافد غير ملزم بالارتباط بصاحب عمل بعينه أو ما يسمى كفيلا بعد عمله في المملكة فترة كذا سنة مع حسن سيرة. والنتيجة أن على المنشآت التركيز على التوظيف من الداخل فقط، ولا حاجة إلى إعطاء تأشيرات جديدة إلا في نطاق ضيق جدا. وهذه أقوى فائدة للسماح للوافدين بتغيير صاحب العمل بعد فترة خدمة.
إنشرها