مخاطر التمويل الاستهلاكي لغرض السياحة

|

لا شك أن السياحة تعد إحدى الركائز الاقتصادية لدى كثير من الدول في العالم، فهي تعتمد عليها بصورة كبيرة في تحقيق عوائد وتوفير فرص كبيرة للعمل بين أفراد المجتمع، كما أن لها أبعادا ثقافية واجتماعية واقتصادية كبيرة، إذ إنها تروج بصورة أكبر لثقافة المجتمعات، وتعد فرصة لتسويق السلع والمنتجات والصناعات لتلك الدول سواء كان ذلك داخلها أو خارجها، والسياحة فيها ترويح للنفس سواء للأفراد أو للأسر، إذ ما يحل صيف كل عام إلا ويجد البعض أهمية كبيرة لتغيير نمط الحياة وروتينها الممل للبحث عن مكان آخر تقضي فيه الأسرة أياما تعدها قصة وصورة لا تنسى في حياتها، تعيد تكرار عجائبها ومغامراتها وكل جديد تواجهه في تلك الرحلة.
على الرغم من أهمية السياحة للأسر ودورها في التجديد للحياة إلا أن السياحة تعد من المصاريف المكلفة التي يمكن أن تثقل كواهلها، خصوصا من ذوي الدخل المحدود أو المتوسط، إذ يلجأ بعض هذه الأسر إلى تغطية تكاليف الرحلة من خلال المديونيات التي ترهقه مستقبلا، وتمنعه من تغطية مصاريفه الضرورية، وهذا قد يمثل كارثة لبعض الأسر ومستقبلها ماليا في ظل زيادة تكلفة المعيشة وتعدد الاحتياجات للأسر، فالمخاطر تكمن في مجموعة من الأمور التي ينبغي للأسر الاهتمام بها كما يلي:
أولا: إن كثيرا من الأسر التي تعتزم السفر بغرض السياحة تلجأ إلى القروض الاستهلاكية التي تقتطع 30 في المائة من الدخل الشهري وهذا الاقتطاع يستمر لمدة قد تصل إلى خمسة أعوام، بمعنى أن البنك الممول سيكون شريكا للفرد في الراتب بما يحد من قدرته على تغطية مصاريفه المهمة سواء الاستهلاكية أو التعليمية أوغيرهما من حاجات الأفراد والأسر عموما. كما أن البعض لا يكفيه التمويل الاستهلاكي الذي يحصل عليه من المصرف ليلجأ إلى البطاقات الائتمانية التي يمثل التوسع في استخدامها خطورة على الأفراد، خصوصا مع تشجيع المصارف للأفراد بالتوسع في استخدامها، ما يؤدي إلى مديونيات من نوع مكلف جدا إذ تصل تكلفة الدين سنويا 30 في المائة مع استمرار الزيادة في حجم المديونية، بسبب صعوبة تغطية تكلفتها سريعا حال الاعتماد عليها والتوسع فيها، خصوصا أن البعض قد يستخدم أكثر من بطاقة ائتمانية، ما قد يضاعف التكلفة عليه.
ثانيا: بعض الأفراد يجعل الإنفاق على السياحة أولوية على مجموعة من الاحتياجات الضرورية، ففي الوقت الذي يجد البعض صعوبة في تملك المسكن تجده ينفق كثيرا على السياحة، فالتمويل الذي يحصل عليه الفرد للسفر يمنعه من الحصول على تمويل بغرض السكن، فهناك حد للمصارف للتمويل، والحصول على تمويل يمتد إلى خمسة أعوام قد يمنع الحصول على تمويل للسكن، كما أن ما ينفقه الفرد على السياحة يمكن أن يجعله دفعة أولى لشراء السكن، وقدرة الفرد على الإيفاء بهذا الاحتياج المهم يمكن أن يزيد من قدرته على ترتيب مصروفاته المالية ليتمكن من الإنفاق على السياحة بشكل سنوي بدلا من أن تبقى تكلفة السياحة لعام واحد تمنعه من الاستمتاع بذلك لمدة طويلة.
ثالثا: الإجراءات الحكومية التي تسعى إلى تحقيق التوازن المالي والتوظيف الأمثل للدعم يتوقع معه أن تزيد تكلفة المعيشة عموما وترتفع الأسعار بصورة تدريجية بناء على الخطوات الحكومية التي تهدف إلى تحقيق التوازن المالي بحلول عام 2020، وفي هذه المرحلة ينبغي أن يكون للفرد كفاءة أعلى في إدارة الدخل وتحسين ظروف المعيشة له، ففي الوقت الذي يتوقع أن تزيد تكلفة المعيشة فإن الفرص في تحسين ظروف المعيشة ستكون أكبر، خصوصا في ظل السعي إلى تحسين ظروف العمل للمواطن بما يزيد من مستوى الدخل، ولكن ذلك لابد أن يكون من خلال جهد يبذله الفرد، ما يجعل له ميزة نسبية في ظل المنافسة بين الكفاءات في المجتمع والزيادة المستمرة في شروط التوظيف لدى الشركات والمؤسسات، كما أن الإجراءات الحكومية التي تسعى إلى الحد من أثر المتغيرات في الأسعار من خلال "حساب المواطن" تهدف إلى تغطية هذا الأثر بصورة كاملة على محدودي الدخل، ولكن متوسط الدخل أو مرتفع الدخل قد لا يحصل على الدعم كاملا، وبالتالي ينبغي أن يكون لديه إدارة أكثر كفاءة لمصروفاته، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في حال التوسع في الإنفاق على السياحة.
فالخلاصة إن تغطية تكاليف السفر من خلال التمويل الاستهلاكي قد يكون له مخاطر عالية على المواطن، خصوصا عندما يجد نفسه ملتزما بدفع جزء مستمر من راتبه للجهة الممولة قد تصل إلى خمس سنوات، ما قد يحد من قدرته على الإيفاء باحتياجاته المهمة، خصوصا ما يتعلق بالسكن، حيث يصعب على الفرد الحصول على تمويل في حال كان لديه تمويل استهلاكي، كما أنه مع وجود خطط حكومية لتحقيق التوازن المالي والتوظيف الأمثل للدعم فإنه ينبغي على الفرد أن يكون لديه كفاءة أفضل لإدارة دخله بما لا يؤثر في مستوى المعيشة لديه.

إنشرها