محطة تعبئة اسكندنافية ومحطة تعبئة خليجية

|
صار لهذا العمود الأسبوعي نحو سبع سنين. في بداياته، كتبت سلسلة من المقالات حول ما قد يجمع الدول الاسكندنافية مع دول الخليج العربية ويفرقها. ومنذ ذلك الحين، والعمود هذا يعرج بين الفينة والأخرى على إجراء مقاربة ومقارنة بين اسكندنافيا والخليج العربي. قد تكون لي ميزة متواضعة لولوج مواضيع مهمة مثل هذه، لأن لدي بعض الإلمام بدول الخليج العربية من خلال الرحلات الكثيرة التي أقوم بها إلى هذه المنطقة الحيوية من العالم، ومن ثم الوجود في بعض جامعاتها. ولدي بعض الإلمام بالدول الاسكندنافية، حيث أعيش في السويد وأعمل أستاذا في إحدى جامعاتها. هذه المكانة قد تجعلني في وضع أستطيع فيه إجراء مقارنات ومقاربات كهذه. وتصبح مقارنات ومقاربات كهذه من الأهمية بمكان عندما نرى أن الدول الخليجية تحث الخطى لتوطين العمالة والصناعة والزراعة وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي في موازناتها. واليوم بدأ مثلا مفهوم "السعودة" بالظهور مرة أخرى وبقوة على صفحات الإعلام بأطيافه وواضح أنه ركن أساس من الخطط التنموية التي يتبناها الاقتصاد السعودي. قبل يومين ذهبت لتعبئة سيارتي بالوقود في واحدة من أكبر محطات التعبئة في مدينتنا في السويد. محطات التعبئة في اسكندنافيا وما أدراك ما محطات التعبئة. إنها مكان للتسوق وشراء وجبة غداء خفيفة وأخذ قسط من الراحة (دور استراحة صغيرة مرتبطة بها) وتباع فيها جميع المشتقات النفطية وفيها خدمات بسيطة لصيانة المركبات في إمكان صاحب المركبة القيام بها إضافة إلى كونها مراكز لتأجير السيارات ومقطوراتها. وكان في محطة التعبئة هذه أكثر من 20 صنبورا أو أنبوبا للتعبئة. وكانت المحطة مكتظة بالمركبات والزبائن. وما استرعى انتباهي (لم يفاجئني حقيقة) أن المحطة هذه برمتها كانت تقوم بخدمتها وخدمة الزبائن عاملة واحدة فحسب. وما خطر ببالي كان إجراء مقاربة مع محطة التعبئة هذه ومحطة تعبئة نظيرة لها في الخليج. أظن أن محطة تعبئة مثل هذه في الخليج قد يقوم بخدمتها عدد كبير من العمال الأجانب في آن واحد. لماذا باستطاعة شخص واحد في اسكندنافيا خدمة محطة تعبئة كبيرة مثل هذه لوجبة عمل واحدة (ثماني ساعات) في النهار وحده، بينما يتطلب ذلك عددا كبيرا من الأيدي العاملة في الخليج؟ هناك عدة أسباب ولن نكون منصفين إن تشبثنا بسبب واحد فقط. بيد أن السبب الرئيس في وجهة نظري يعزى إلى الأجور أو مستوى الأجور أو الحد الأدنى للأجور. العامل في محطة التعبئة الاسكندنافية يتقاضى أجرا مجزيا يمكنه من العيش الكريم وبمستوى راق وامتلاك أغلب مستلزمات الحياة التي تناسب العيش في مجتمع الرفاهية. له حقوقه كاملة من ضمان اجتماعي وعطلة سنوية وحماية من البطالة. ومحطة التعبئة أو أي نشاط تجاري أو اقتصادي وعلى أي مستوى تتعامل الدول الاسكندنافية معه وكأنه شركة لا تختلف عن أي شركة أخرى كبيرة أو صغيرة. والتشغيل ضمن هذا النشاط يجب أن يكون ضمن قوانين التشغيل المعتمدة التي يعد الالتزام بالحد الأدنى للأجور واحدا من أسسها المهمة. وهذا معناه أن صاحب العمل ليس بمقدوره جلب عمالة رخيصة أو تشغيل أي شخص خارج نطاق نظام الأجور والتشغيل وقوانينه المعتمدة. ما يمكن صاحب العمل من تشغيل أعداد وفيرة من العمال هو توافر العمالة الرخيصة من خلال القوانين التي تسمح بجلبها وأحيانا دون مراعاة للجدوى والاستدامة الاقتصادية من بلدان منخفضة الدخل وعملتها أقل قيمة بكثير من العملة المحلية في الخليج التي هي ثابتة ومرتبطة بالدولار. ولكن أمور التشغيل مختلفة جدا وعدد محطات الوقود أيضا. هناك أكثر من تسعة آلاف محطة للوقود في بلد الحرمين فقط، بينما لا يتجاوز عدد محطات الوقود في الدول الاسكندنافية برمتها ستة آلاف محطة. السعودة تتطلب أولا من المواطن السعودي ـــ ولا سيما الشباب منهم ـــ ولوج سوق العمل من أوسع أبوابها وليست الوظيفة الحكومية المريحة فحسب. وعلى المواطن ليس قبول العمل فحسب، بل القيام به بأحسن وجه ممكن. والقيام بالعمل (أي إنتاجية ساعة واحدة من العمل) يعتمد، في جانب كبير منه، على أجور مجزية إلى درجة أن خسران الوظيفة، أي وظيفة، معناه خسران فرصة لا تعوض للاحتفاظ بعيش رغيد.
إنشرها