تقوية النمو العالمي وبناء الاقتصادات الاحتوائية

|

منذ ما يقرب من 60 عاما، وصلت فرقة موسيقية مغمورة اسمها البيتلز إلى مدينة هامبورج الألمانية. وهناك، اختار أعضاؤها تصفيفة شعرهم، وسجلوا أولى أغنياتهم، وعثروا على الصوت المميز لهم.
وعلى غرار هذا الرباعي الأسطوري، يستطيع قادة العالم المجتمعون في قمة مجموعة العشرين هذا الأسبوع أن يحققوا الاستفادة القصوى من فترة وجودهم في هامبورج ــــ وأن يغادروا ألمانيا بخطة سليمة لتقوية النمو العالمي.
تبدأ القمة أعمالها بمناخ من التفاؤل. وينبع هذا المزاج العام المتفائل من التعافي العالمي الذي بدأ منذ عام ويمثل تغييرا يستحق الترحيب مقارنة باجتماعات مجموعة العشرين السابقة التي كانت تخيم عليها ظلال النمو المتقلب والتخفيضات المستمرة للتوقعات.
ولكن التفاؤل السائد ينبغي أن يكون حذرا فلا يزال بذل الجهود مطلوبا على صعيد السياسات من أجل تعزيز التعافي وبناء اقتصادات أكثر احتوائية.
يشير التحسن الذي حدث أخيرا في نشاط التصنيع والاستثمار العالمي إلى أن التعافي الذي توقعناه في نيسان (أبريل) لا يزال على المسار الصحيح. وسننشر تنبؤاتنا الجديدة في أواخر تموز (يوليو) ولكننا نتوقع أن يبلغ النمو العالمي نحو 3.5 في المائة في العامين الجاري والمقبل.
غير أن آخر مذكرة رقابية أعددناها لمجموعة العشرين توضح حدوث تحول في التكوين الإقليمي للنمو.
فبالنسبة للولايات المتحدة ــــ حيث أصبح التوسع في عامه التاسع وتكاد البطالة الدورية تختفي تماما ــــ خفضنا توقعاتنا للنمو نظرا للتباطؤ العابر الذي شهدته في أوائل 2017 وعدم اليقين السائد بشأن السياسات.
ومن ناحية أخرى، شهدت منطقة اليورو أداء فاق التوقعات ـــ ولا سيما بفعل التنشيط النقدي والطلب المحلي، وتحسنت الأوضاع في الاقتصادات الصاعدة بفضل قوة النمو في الصين واتجاه الأوضاع نحو الاستقرار في روسيا والبرازيل.
والخلاصة هي أن هناك زخما بالفعل. ولكننا لا نستطيع الركون إليه باطمئنان ـــ إذ إن المخاطر الجديدة والقديمة تهدد ما نستهدفه من إيجاد نمو أعلى يشترك في جني ثماره الجميع.
ولا تقتصر المخاطر على منطقة بعينها أو نوع واحد من الاقتصادات، وأحيانا ما تكون انعكاسا لتطورات سلبية في العوامل الدافعة لتعافي الاقتصاد.
وتمثل مواطن الضعف المالية مصدرا للقلق الآني. فبعد فترة طويلة من الأوضاع المالية المواتية، بما في ذلك أسعار الفائدة المنخفضة وزيادة سهولة الحصول على الائتمان، وصل الرفع المالي في قطاع الشركات لدى عديد من الاقتصادات الصاعدة إلى مستوى شديد الارتفاع. وفي أوروبا، لا تزال الميزانيات العمومية للمصارف في حاجة إلى إصلاح ما أصابها من خلل في أعقاب الأزمة. وفي الصين، قد يؤدي التوسع الأسرع من المتوقع ـــ إذا ظل مدفوعا بسرعة التوسع الائتماني وزيادة الإنفاق ـــ إلى ديون عامة وخاصة لا يمكن تحملها في المستقبل.
وإذا لم تعالج هذه الطائفة من المخاوف، يمكن أن تصبح وصفة للعسر المالي المفاجئ، بينما تستمر معاناة اقتصادات العالم من عدة مشكلات أطول أجلا.
تذكروا فرط عدم المساواة الاقتصادية، ونمو الإنتاجية المنخفض، وشيخوخة السكان، والفجوات بين الجنسين. وتضع هذه التحديات حدا للنمو الممكن، ما يزيد من صعوبة زيادة الدخول ورفع مستويات المعيشة.
فكيف ينبغي لمجموعة العشرين مواجهة هذه الأوضاع؟
أفضل بداية في هذا الصدد الحفاظ على الزخم الاقتصادي الحالي، إذ يمكن استخدام السياسات النقدية والمالية لدعم الطلب حيثما اقتضت الحاجة وتوافرت الإمكانية.
ففي اليابان، على سبيل المثال، رغم بقاء الناتج دون المستوى الممكن، فقد أسهم الدعم المالي، مقترنا بالظروف الاقتصادية العالمية المواتية، في تحقيق نمو بالغ الارتفاع في أرباع العام الأخيرة.
لكن ما يمكن أن تحققه هذه الإجراءات لن يتجاوز حدودا معينة. وينبغي أن تنظر البلدان في سبل للوقاية من المخاطر وتعجيل النمو والاستفادة من قوة التعاون الدولي. فما من بلد يشكل جزيرة منعزلة، والسياسات التي تتخذ في أي منها يمكن أن تنتقل أصداؤها بقوة أكبر وتستمر لفترة أطول من خلال التنسيق مع بقية أعضاء مجموعة العشرين. وينبغي أن تتضمن أولوياتنا ما يلي:
ــــ تنشيط نمو الإنتاجية: في كثير من الاقتصادات، يمكن أن يَنْشَط الاستثمار وتنطلق طاقة ريادة الأعمال بدافع من زيادة الموارد الموجهة للتعليم والتدريب والحوافز المشجعة للبحوث والتطوير. فمن شأن هذا أن يعطي الدفعة الضرورية لكي تنمو الاقتصادات على أساس قابل للاستمرار.
ــــ حماية القطاع المالي: يمكن استخدام فترة النمو الحالية في معالجة مواطن الضعف التي تشوب قطاعي الشركات والمصارف، عن طريق بناء رأس المال وتقوية الميزانيات العمومية. كذلك يعني الحفاظ على النمو أن الوقت قد حان لتحسين النظم المطبقة عقب الأزمة في مجال التنظيم والرقابة ــــ وليس التراجع عنها.
ــــ معالجة الاختلالات المفرطة في الحسابات الجارية: ينبغي لكل من بلدان الفائض وبلدان العجز أن تواجه هذه المشكلة الآن لتجنب الحاجة إلى إصلاحات أكبر في المستقبل. وستكون هذه القمة فرصة أيضا لتعزيز النظام التجاري العالمي وإعادة تأكيد الالتزام بقواعد نافذة تشجع المنافسة مع إيجاد ساحة يتنافس فيها الجميع على قدم المساواة.
وفوق ذلك كله، نحتاج إلى التركيز على بناء اقتصادات احتوائية. ويتطلب هذا إصلاحات هيكلية لرفع الدخول كما يتطلب دعما أكبر لمن يواجهون أضرارا من جراء التغيرات التكنولوجية والاندماج الاقتصادي العالمي.
ويتطلب أيضا بذل جهود جديدة لتمكين المرأة وسد الفجوات بين الجنسين.
ففي اقتصادات مجموعة العشرين المتقدمة، يبلغ الفرق بين عدد الرجال والنساء في القوة العاملة بأجر نحو 15 نقطة مئوية. بل إن هذه الفجوة أوسع في الاقتصادات الصاعدة ضمن مجموعة العشرين.
وإذا استطاعت بلدان مجموعة العشرين تحقيق ما تستهدفه من زيادة مشاركة النساء في سوق العمل بنسبة 25 في المائة مع نهاية عام 2025، ستتمكن من إيجاد ما يقدر بنحو 100 مليون فرصة عمل جديدة للاقتصاد العالمي.
والمكاسب الكبيرة التي تتحقق من سد الفجوة بين الجنسين ما هي إلا مثال واحد لما يمكن تحقيقه إذا عملنا معا.

إنشرها