السياسة .. وصناعة العقار

|

لا شك أن الاستقرار السياسي واستتباب الأمن في منطقة ما سيتبعه نمو وازدهار اقتصادي، ولذلك كانت أكثر البلدان استقرارا سياسيا وتوافرا لأنظمة وسياسات محفزة هي الأكثر إقبالا من قبل المستثمرين حول العالم، ولأن من أهم خواص العقار أنها سلعة محلية لا يمكن نقلها، وكذلك عمر الاستثمار العقاري يتميز بأنه طويل المدى، بسبب طول العمر الفني للمباني الذي يصل إلى 50 عاما وأكثر وكذلك الأرض التي لا تهلك، كان هذا الارتباط الوثيق للعقار بالمنطقة المحيطة به وطول مدة الاستثمار علامة مهمة على مستوى الاستقرار في منطقة معينة، حيث يمثل تدفق الأموال نحو سوق العقار والاستثمار فيها على المدى البعيد مؤشرا مهما على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهذا واضح في حال تم أخذ بعض الأمثلة على مستوى العالم ووفقا للتقارير الحديثة من معهد التطوير العمراني التي أوضحت أن مدينتي لندن ونيويورك تعدان على رأس قائمة المدن التي تتدفق إليها الاستثمارات العقارية المباشرة وغير المباشرة، وبهذا أضحتا أيقونتين عقاريتين على مستوى العالم حتى وصفت عقاراتهما بأنهما "سندات"، نظرا لقلة مخاطرها واستقرار قيمها وضمان الحصول على العوائد الدورية من خلال تأجيرها، ولذلك أصبح المستثمر يقبل بمعدل دخل سنوي يمثل 3.5 أو 4 في المائة من قيمة العقار في وسط لندن، لأنه يعلم أن الاستقرار السياسي وما يتبعه من نمو اقتصادي تتمتع بها المدينة المالية العالمية ستضمن له الحصول على هذه العوائد الدورية، إضافة إلى عوائد ارتفاع قيمة العقار على المدى البعيد، وفي المقابل نجد أن بعض الدول الإفريقية توفر عقاراتها عوائد تصل إلى 25 في المائة سنويا، لكنها تظل غير جاذبة لرؤوس الأموال والمستثمرين وهذا يرجع إلى ضعف الاستقرار السياسي وبالتالي الخلل الكبير في النمو والازدهار الاقتصادي.
مرت السعودية خلال الأعوام الثلاثة الماضية بتغييرات جذرية في أعلى قمة الهرم الحاكم، حيث انتقل الحكم إلى الملك سلمان بعد وفاة الملك عبدالله -رحمه الله-، وتقلد الأمير محمد بن سلمان أخيرا منصب ولي العهد، وتمت هذه الإجراءات بكل يسر وسهولة ووضوح، ثم تبع هذه التغييرات عديد من البرامج الإصلاحية على مستوى الاقتصاد والتنمية المحلية، وانطلقت "رؤية 2030" الطموحة بالتوازي مع برنامج التحول الوطني 2020، التي وضعت معايير ومؤشرات واضحة ينبغي أن يلتزم بها المسؤول عن كل وزارة أو هيئة حتى تتحقق إعادة هيكلة الاقتصاد لتكون أكثر إنتاجية وأقل اعتمادا على النفط على المديين المتوسط والبعيد، لا شك أن المتابع للأحداث يتضح له بجلاء أن هناك مهندسا ومديرا لمشروع التغيير التنموي والاقتصادي المهم وبلا تردد سيخطر في بال الجميع أن ذلك الرجل هو الأمير محمد بن سلمان الذي لقب بمهندس "الرؤية"، ولذلك كان من لوازم الاستقرار أن يكون مهندس "الرؤية" وحامل لواء التنمية في منصب ولاية العهد حتى يمضي بـ"رؤيته" بشكل أكثر وضوحا وسلاسة، والحقيقة أن مملكتنا الحبيبة تغبط على هذا الانتقال السلس اليسير للمناصب القيادية التي من خلالها يحصل الاستقرار السياسي ويتبعه النمو والازدهار الاقتصادي، وهذا الحديث لا شك أنه واقع نعيشه وليس كلاما مرسلا، فما نشهده اليوم من تغير جذري في عمل الجهات الحكومية التنفيذية ومحاولات التطوير المستمرة ونفض الغبار عن كثير من الملفات والإشكالات التي تواجه المواطن البسيط والمستثمر عند التعامل مع الجهات الحكومية هو نتاج رغبة القيادة في تغيير نمط العمل الحكومي ومحاولة تحجيم الإجراءات البيروقراطية التي تعطل عجلة التنمية وتقتل طموح الراغبين في العمل والإنجاز والإبداع، وسأتحدث عما أتابعه بشكل مستمر وهو الشأن العقاري وبرامج الإسكان بشكل خاص، التي شهدت تحركا ممتازا تمثل في إعادة صياغة وبلورة السوق العقارية وسوق الإسكان بالذات، وما كان يطالب به كثيرون من تنظيمات لهذه السوق خلال السنوات السابقة أصبح اليوم واقعا مشاهدا، ومع التقصير الذي لا بد أن يكون موجودا في أي جهة، إلا أن العاملين على مشاريع وزارة الإسكان اليوم أكثر تقبلا للنقد وحرصا على سماع جميع الأصوات، بل إنهم حريصون على سماع الأصوات الناقدة أكثر من المادحة، وهذا مؤشر ممتاز على تغير ثقافة المؤسسات الحكومية والقائمين عليها.
الخلاصة، صناعة العقار التي تعتمد بشكل أساسي على استقرار سياسي وسياسات تشريعية محفزة أصبحت اليوم أكثر استقرارا وأكثر قدرة على التخطيط المستقبلي، وهذا لم ولن يكون متحققا إلا بوجود إدارة عليا دفعت التنفيذيين إلى وضع التزامات معلنة وسماع صوت النقد المعتدل والبناء عند وجود الخلل، لذلك يحق لنا التفاؤل بحل مشكلة السكن وبمستقبل أجمل وتنمية مستدامة نجد أثرها عاجلا أو آجلا -بإذن الله.

إنشرها