النكسة المهنية

|
يتردد بعضنا عندما يواجه بعض العقبات في مساره المهني، فيظن مخطئا أنه يمر بنكسة مهنية يصعب الخروج منها. يتجسد له حينها مأزق كبير يرى أنه لم يتسبب فيه ولكنه يؤثر فيه بشكل مباشر! يشعر بصعوبة الفهم مع الإحساس بالظلم؛ إذ تتكالب عليه الظروف وربما الأشخاص كذلك. وفي ذروة المشكلة يشعر بأن الزاوية تضيق عليه، وبأن الجميع أصبحوا منافقين وأن مشكلته الحقيقية لا يمكن شرحها ولكن يمكن حلها بسهولة؛ الحل في أيدي بعض الأفراد يمكنهم القيام به فقط إن أرادوا ذلك. في الحقيقة هناك فعلا حالات محدودة يمكن وصفها بالنكسة المهنية، ولكن معظم الحالات التي يمر بها الشباب ليست كذلك. ولكي نضع الحد الفاصل في الموضوع سأعرج على بعض الأمثلة التي يراها أصحابها نكسة ما بعدها نكسة وهي ليست كذلك، بل ربما تكون مجرد خطوة ضرورية في طريق التعلم، وسأقابلها بأمثلة أخرى لما قد يصنف فعليا بالانتكاسة الصعبة التي يجب الخروج منها بأسرع طريقة ممكنة. أولا، سنعرف النكسة المهنية بأنها الشعور السلبي الذي يسيطر على الشخص أثناء مواجهة أحد التحديات المهنية الذي يصل فيه إلى مرحلة الهزيمة، وهذا يعني أن صاحبه قد بلغ من التدهور في التعاطي مع المشكلة حدا كبيرا حتى تمكن منه اليأس، ليصبح في دوامة من الإخفاق والفشل الذي يتعاظم في مخيلته ويتغذى ذاتيا من حالته السلبية التعيسة. من المشاهد أن كثيرا من التحديات "العادية" تبلغ هذا المبلغ من السلبية، فيتحمل الفرد نتائج المبالغة في أمر لم يحدث أساسا وكان يمكن تجازوه بكل يسر وسهولة. في أي مرحلة مهنية يمكن أن تحدث النكسة المهنية ــــ حتى تلك الوهمية منها ــــ باعتقادي أن حدوثها ممكن أثناء أي مرحلة من مراحل الحياة المهنية الشخصية، وهذا يعني منذ أن تبدأ عملية البناء بالتربية والتعلم حتى تنتهي الإنتاجية تماما، ولكنها تتمركز عند ثلاث نقاط تقريبا: أثناء أو بعد اختيار المسار المهني (التخصص، مجال العمل، وخلافه) وهذا يعني تحديدا طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، وتنحصر كذلك أثناء العمل عند الموظفين الجدد وضعيفي الخبرة، خصوصا عند قرارات التكليف والتعيين والترقيات، إضافة إلى تفاعلات العمل والحياة عند من يملكون خبرة جيدة. ينتهي الفصل الدراسي الأول في الجامعة، ليكتشف حينها الطالب أن ما وضع في مخيلته المهنية أثناء التخطيط للدارسة الجامعية يختلف تماما عما كان يمارسه خلال الفصل الفائت. يعتقد بعد ذلك أنه أخطأ في اختيار تخصصه. ثم يبدأ الفصل الثاني ليتكرر الإحساس مع كل واجب ومشروع واختبار يعمل عليه. تنتهي السنة بدرجات متدنية تختلف كثيرا عما اعتاد عليه أثناء الثانوية، لا يستطيع مواجهة أهله الذين لا يفهمون فعليا لماذا تحول طالبهم المجد إلى حالة صعبة. لا يقبل الواقع الجديد، ليبدأ بالتمرد والهروب بحثا عن المخارج. وعلى الرغم من أن مشكلته قد تكون بسيطة جدا وكانت تتطلب بعض الإعداد المهني المبكر، إلا أنها حتى مع الواقع الجديد لا تُكتشف بشكل جيد. فيزيد الضغط من الأهل عليه، ويشعر بقلة الحيلة وعدم الفهم بشكل أكبر، ليظن ــــ وهو مخطئ ــــ أنه يعيش نكسة مهنية مبكرة لا مخرج منها. آخر يلتحق بشركة كبرى، يتم تعيينه للقيام بدور محدد جدا لا يمثل بالنسبة لما درسه في الجامعة إلا فصلا واحدا في إحدى المواد. هو يراه بهذا الشكل على الرغم من أن بناءه المعرفي والمهاري الذي تكون أثناء الدراسة الجامعية مهم جدا لأدوار عديدة سيقوم بها لاحقا، كثير منها لا يرتبط بتخصصه الرسمي بشكل مباشر. يبدأ في المطالبة بتحسين وضعه في وقت مبكر، لا يحدث شيء. يبدأ في الشعور بتجاهل من حوله له ولقيمته، يقضي جزءا كبيرا من وقته في الجدل مع مديريه وزملائه عن الظلم. في نهاية الأمر يستقيل ويجد وظيفة مماثلة في شركة أخرى. يعيد الكَرّة من جديد ليعمل خلال ثلاث سنوات في ثلاث وظائف دون خبرة حقيقية، ودون عمق معتبر في علاقاته المهنية أو مرحلة ناضجة متكاملة في سيرته المهنية. في نهاية الأمر، يشعر بالانتكاسة خصوصا حين يرى زملاءه، وقد تجاوزوه مهنيا وهو لا يزال في الدائرة ذاتها. يبرر واقعه بالاستقصاد ومحاربة الجنسيات الأخرى له ولا يعترف أنه لم يدشن حياته العملية بشكل جيد. هناك من يتعرض لانتكاسات مهنية حقيقية وليست وهمية، ولكن معظم هؤلاء يتجاوزون العقبة بسرعة، وذلك لأن المشكلة التي يمرون بها تكون متعلقة بظروف خارجية وليست داخلية، لذا لن تجدهم يكررون الأخطاء ولا يتمسكون بالتصورات الوهمية. منهم من يستثمر سنوات طويلة من عمره في صناعة بائدة أو مهنة يتم القضاء عليها بالكامل لظروف سياسية مثلا. هناك كثير ممن يمرون بهذه التحديات، ولكن بالمرونة والقدرة على التعلم السريع يخرجون من أزماتهم وهم أقوى وأشد. أما من يعتقد بأنه يعيش النكسة وهو بعيد عنها فعليه أن يحمد الله على النعم التي يصيبها، ويستقل قليلا بقراراته وحلوله، ويبحث عن الدعم لا الضغط، ويعيد تقييم وضع خطته المهنية ويطلب المشورة من المختصين الذين يثق بهم، ولا ينسى أن النجاح المهني لا يصنع إلا بتجاوز العقبات والتحديات، ولا يجد في طريقه الإخفاق المتكرر ولا الهزيمة.
إنشرها