وعود طريفة لإنتاج النفط

|
رغم أن منطقة الشرق الأوسط تتقاذفها أمواج الصراعات والحروب من كل حدب وصوب، إلا أن سلعتها الاستراتيجية، النفط، تحافظ على أهميتها. بيد أن بين الفينة والأخرى تصبح هذه السلعة الحيوية مثار نقاش فكاهي قد يجعل المرء يسقط على قفاه من الضحك. ويكاد المرء يقع فريسة سهلة للتغطية الإخبارية لما يدور في هذه المنطقة وما يطبخ لها ومصيرها لأن أغلب ما نتلقاه فيه مسحة من التشاؤم. وقبل نحو أسبوعين قلت مع نفسي أين أدور برأسي كي أتملص من غبار التشاؤم هذا؟ عندما يحتلنا الخطاب الخبيث malignant discourse كما هو شأن أغلب ما يجتره الإعلام لنا هذه الأيام، علينا اللجوء إلى الخطاب الطريف أو الأنيس soft or benign discourse. والعرب عرفت النوع الثاني من الخطاب وأبدعت فيه أيما إبداع. الطرافة جنس أدبي رفيع كان للعرب في العهد العباسي شأن فيه وتأثير في الحضارات والثقافات الأجنبية ضمن محيطهم وخارجه. وهنا تحضرني مقامات الحريري والهمذاني وكتاب البخلاء للجاحظ وغيرها من الأجناس من شعر ونثر أندلسي وعباسي وغيره. والنفط سلعة يؤثر فيها القرار السياسي ربما أكثر من القوانين التي تحكم التجارة والتسوق مثل قوانين العرض والطلب. ولهذا حتى الطرافة والفكاهة في نقل كل ما هو ذو علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنفط، يأخذ مديات مؤثرة وينظر إليه أصحاب الشأن نظرة جدية. وأكثر خبر طرافة قرأته عن بدائل النفط، كان استخدام جثث الأرانب في السويد لتوليد الطاقة، أي استخراج نوع من النفط بعد حرقها أو تخميرها من خلال تعاملات كيميائية محددة. الأرانب في السويد تتكاثر بسرعة لأن اصطيادها أو حتى مضايقتها يعاقب عليه القانون. وبعد عقود من الحرية المطلقة وحق الإنجاب والتنقل والرعي في أي مكان أو زمان دون تقييد، رأت الحكومة أن تكاثرها وصل حدا لا يطاق. أينما خرجت في السويد ولا سيما في الحدائق والغابات والشوارع التي تزينها الأشجار والحشائش والزهور، لوقع ناظرك على أزواج من الأرانب وهي تسرح وتمرح ولا تكترث لمرور البشر من قربها على الإطلاق. وكان أصحاب البساتين والمزارع والحدائق يعانون الأمرين من وجودها الكثيف. الأرانب تشبه بعض القوارض من حيث التهام الخضار. وفي الشتاء عندما يغطي الثلج الأرض، فإنها تقرض جذوع الأشجار ما يؤدي إلى موتها. ولأنها من الحيوانات المحمية -شأن أغلب الحيوانات في السويد- اخترعت الشركات شبكات بلاستيكية وفولاذية خاصة كان المزارعون والفلاحون يلفون جذوع أشجارهم الفتية بها لدفع شر قوارضها الحادة والجارحة. عندما بدأت حملة لذبحها نتيجة تكاثرها المخيف، استبشر البعض خيرا. شركات الطاقة قالت إنها استنبطت طريقة لحرق أو تخمير جثثها وتحويلها إلى وقود يقلل الاعتماد على النفط المستورد. ولكن سرعان ما تحول الأمر إلى نكتة سمجة لأنه ظهر أن عملية ذبحها ومن ثم حرقها لاستخراج الوقود تستهلك أكثر مما هو متوقع من النفط وهي أساسا لا جدوى اقتصادية لها. وهكذا تحول أمر محاربة النفط بواسطة الأرانب إلى عنوان يزدري فيه الناس من السويد وبعض مقالبها للحد من استهلاك النفط. وما كادت طرافة الأرانب تغيب عن العناوين الصحافية، حتى صرنا وجها لوجه أمام عنوان آخر - هذه المرة مكانه مدينة لندن عاصمة بريطانيا العظمى. هذه المدينة التي يبلغ سكانها 11 مليونا مهتمة اليوم باستخراج الطاقة من مخلفات القهوة في المقاهي والبيوت التي تقدر بـ500 ألف طن في السنة. الصحافة البريطانية غطت بشكل واسع شركة طاقة حيوية اسمها بايوبين Biobean التي تقول إنها في طريقها لإنتاج النفط من مخلفات القهوة بكميات قد تكفي لمدينة كبيرة مثل لندن. ومن الوعود -التي لا أظن في الإمكان تحقيقها- التي أطلقتها هذه الشركة هي تنظيف مدينة لندن من التلوث بواسطة هذه العملية. وإن علمنا أن لندن واحدة من أكثر المدن تلوثا في العالم، لعرفنا سبب تراكض الناس وراء أي وعد من هذا النوع. وما حدث لمشروع الأرانب السويدي للتعويض عن إمدادات النفط، يبدو أنه سيكون الخاتمة لكثير من مشاريع وشركات ما يسمى بالطاقة الحيوية biofuel التي تستند إلى مخلفات الحيوانات والنباتات منها القمامة، لأن عميلة تخميرها وإشعالها ومن ثم تحويلها إلى طاقة حرارية قد لا تكون مجدية اقتصاديا ومن ثم إن هذه العملية أساسا تستند إلى النفط كطاقة وسعر أيضا. وبالنسبة لي هذه تقارير طريفة رغم ما تحمله من جدية لدى أصحابها، لأنها لا يمكن أن تعوض عن أي مقدار من الطاقة المهولة التي تطلقها الملايين الـ37 التي تنتجها الدول المصدرة للنفط في منظمة أوبك فقط، ولله في خلقه شؤون.
إنشرها