الحروب .. والناتج الإجمالي العالمي

|
"البشرية يجب أن تنهي الحروب، قبل أن تنهي الحروب البشرية" جون ف. كيندي رئيس أمريكي راحل تبقى الحروب والنزاعات والمواجهات العنيفة حول العالم السبب الرئيس في انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. وهذا الناتج يمثل في الواقع الشكل العام للاقتصاد العالمي، وآفاق حراك هذا الاقتصاد، والآثار السلبية أو الإيجابية التي يتركها في هذه المنطقة أو تلك. وغالبا ما تكون الآثار سلبية بل خطيرة. والمؤكد أن البلدان الأكثر فقرا هي التي تتلقى الضربات الأقسى من سلبية الاقتصاد العالمي، الأمر الذي "يدعم" الأزمات في البلدان المشار إليها، بينما تحتاج الساحة الدولية إلى كل سبب لتهدئة التوترات والمواجهات، وتقليل الاحتقان السياسي الذي يتدرج في بعض المناطق ليصل إلى مرحلة المواجهات الخطيرة. وكل ذلك يؤثر بصور خطيرة ومختلفة في كل المخططات العالمية للتنمية أو تقليل الفقر، أو خفض البطالة، أو حتى محاربة الأمراض والأوبئة، إلى كل المخططات العالمية الهادفة إلى عالم أقل سوءا، بدلا من القول، "إلى عالم أفضل"، لأن النقطة الأخيرة يصعب إدراكها في هذا الزمن. الجميع يتحمل مسؤولية انخفاض الناتج الإجمالي العالمي. سواء أولئك الذين يصنعون الحروب والنزاعات، أو الذين يتحولون في غالب الأحيان إلى أدوات مواجهة، بعضها "مدفوع الأجر"، وبعضها الآخر بجهل وبلاهة وتخلف. ولم تفلح كل الجهات الحكومية وغير الحكومية بما في ذلك تلك المرتبطة بالأمم المتحدة في تحقيق خطوات لافتة على صعيد حل النزاعات، ويعني هذا ببساطة أن خسائر الإنتاج الاقتصادي العالمي ترتفع وتستمر. وفق آخر تقرير لمعهد الاقتصاد والسلام المعروف الذي يتخذ من أستراليا مقرا له، فإن العنف العالمي أثر سلبا في جميع القطاعات في عام 2015، حيث خفض الناتج العالمي في العام المذكور بنسبة 13.3 في المائة، أو ما يعادل 1876 دولارا من كل فرد، واستنادا إلى المعهد المذكور، في السنوات العشر الماضية وصلت تكاليف آثار العنف على الاقتصاد العالمي إلى 137 تريليون دولار، وتشمل هذه التكاليف الأموال التي أنفقت على عمليات عسكرية والتأمين الخاص وقوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة. والمثير في متابعة المشهد العالمي العام، هو حقيقة أن دولا قليلة جدا تنعم بالسلام والأمن. ما يعني أن فرص التخلص من النزاعات والمواجهات والعنف ستكون قليلة جدا، الأمر الذي سيرفع من الخسائر الاقتصادية العالمية في الوقت الذي يحتاج فيه هذا العالم إلى مزيد من التنمية، ليس من أجل الازدهار الآني والرفاهية فحسب، بل أيضا لضمان حقوق الأجيال المقبلة. فهذه النزاعات هي في الواقع عدوان مباشرة الأجيال التي لم تأت بعد، لأن تكاليفها تسحب من حصة هؤلاء في العيش الكريم، وحقوقهم المعيشية لاحقا. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن النزاعات لا تأخذ أموال الأجيال الحالية وتلك المقبلة فقط، بل لا تترك مجالا للتنمية في مرحلة لاحقة، لأنها تدمر الأسس التي يمكن البناء عليها، سواء كان اجتماعيا أو اقتصاديا. في العام الماضي، استمر الوضع على ما هو عليه. بل إن مناطق شهدت تفاقما في النزاعات بمستوى أكبر، ولم يسجل العالم نقطة إيجابية واحدة لافتة تختص بإنهاء نزاع أو وقف حرب. وتعثر الاقتصاد العالمي في عام 2015 انتقل بصورة تلقائية إلى عام 2016، مع مؤشرات أخطر، حيث تراجعت بقوة معدلات النمو في مناطق لم يكن أحد يظن أنها ستتعثر بنموها، ولا سيما دول منطقة آسيا وعلى رأسها بالطبع الصين. مصائب النزاعات غير المتفجرة لها أضرارها أيضا حيث تتوازى في بعض الحالات مع الحالات المتفجرة نفسها. وهناك في المنطقة الآسيوية عدد من الحالات غير المشتعلة فعليا لكن آثارها السلبية كبيرة. وإذا كانت المنطقة التي يعلق عليها العالم آمال النمو بهذه الصورة، علينا أن نتخيل المناطق الأخرى التي لا تدخل أساسا في قائمة البلدان الناشئة. الثابت أن النزاعات أو الحروب أو المواجهات تلقي بظلالها على بلدان ومناطق لا علاقة مباشرة لها بها. ما يؤكد مجددا الحقيقة المرعبة، أن آثارها تشمل الجميع وستستمر طويلا حتى بعد انتهائها على أرض الواقع حقا. فالخسائر الناجمة عنها لا تتعلق فقط بالإنفاق عليها، بل ترتبط ارتباطا مباشرا بتراجع الإنتاج، وارتفاع الديون بسبب الحروب، وبالطبع تزايد معدلات البطالة والجريمة الاجتماعية، وتدهور التعليم، وغير ذلك من الآثار السلبية الخطيرة على الاقتصاد -أي اقتصاد- بشكل عام. إنها مصائب مستمرة، بعضها يعود لعقود طويلة، وكلها -بصرف النظر عن المدد الزمنية- تضرب الاقتصاد العالمي بأشكال مختلفة. هل يعقل أن تكاليف الحروب والنزاعات والمواجهات تعادل إنفاق خمسة دولارات من كل شخص على مستوى العالم وعلى مدار العام؟ في حين تشير أرقام البنك الدولي الأخيرة إلى أن 10.7 في المائة من سكان العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد. لا تبدو في الأفق أي مؤشرات على تغيير الأوضاع من سيئ إلى أحسن. في الواقع المؤشر المؤكد أن السيئ ينقل بثبات وقوة إلى الأسوأ.
إنشرها