المشراق

أسطورة السندباد بين آداب الشعوب

السندباد أسطورة شهيرة التصقت بالثقافة العربية التصاقا كاملا عبر كتاب "ألف ليلة وليلة"، واشتهرت شخصية سندباد كشخصية عربية مغامرة، ورحالة طاف الآفاق، وشاهد الغرائب والعجائب، وبرزت شخصيته للعالمية من خلال الثقافة العربية فقط، لكن عند تتبع المصادر يتبين لنا أن السندباد في الأصل كان حكيما هنديا له كتاب معروف، ترجم فيما بعد إلى الفارسية. لكن لا الثقافة الهندية، ولا الفارسية لها علاقة بشخصية السندباد الرحالة العربي.
من أقدم النصوص العربية عن السندباد ما ورد عند ابن النديم في كتابه "الفهرست"، في فصل عقده بعنوان "في أخبار المسامرين والمخرفين، وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار". يقول ابن النديم: "قال محمد بن إسحاق أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبا وأودعها الخزائن وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان الفرس الأول ثم أغرق في ذلك ملوك الأشغانية وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية ونقلته العرب إلى اللغة العربية وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذبوه ونمقوه وصنفوا في معناه ما يشبهه فأول كتاب عمل في هذا المعنى كتاب هزار أفسان ومعناه ألف خرافة وكان السبب في ذلك أن ملكا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل الملك على استبقائها ويسألها في الليلة الثانية عن تمام الحديث إلى أن مضى عليها ألف ليلة وهو مع ذلك يطأها إلى أن رزقت منه ولدا أظهرته وأوقفته على حيلتها عليه فاستعقلها ومال إليها واستبقاها وكان للملك قهرمانة يقال لها دينار زاد فكانت موافقة لها على ذلك وقد قيل إن هذا الكتاب ألف لحماني ابنة به من وجاؤوا فيه بخبر غير هذا. قال محمد بن إسحاق والصحيح إن شاء الله أن أول من سمر بالليل الإسكندر وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه لا يريد بذلك اللذة وإنما كان يريد الحفظ والحرس واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب هزار أفسان ويحتوي على ألف ليلة وعلى دون المائتي سمر لأن السمر ربما حدث به في عدة ليال وقد رأيته بتمامه دفعات وهو بالحقيقة كتاب غث بارد الحديث. قال محمد بن إسحاق ابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم كل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه وكان فاضلا فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر كتاب تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تتميمه ألف سمر ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي الشافعي. وكان قبل ذلك ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم جماعة منهم عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون وعلي بن داود كاتب زبيدة وغيرهم وقد استقصينا أخبار هؤلاء وما صنفوه في مواضعه من الكتاب. فأما كتاب كليلة ودمنة فقد اختلف في أمره فقيل عملته الهند وخبر ذلك في صدر الكتاب وقيل عملته ملوك الإسكانية ونحلته الهند وقيل عملته الفرس ونحلته الهند وقال قوم إن الذي عمله بزر جمهر الحكيم أجزاء والله أعلم بذلك. كتاب سندباد الحكيم وهو نسختان كبيرة وصغيرة والخلف فيه أيضا مثل الخلف في كليلة ودمنة والغالب والأقرب إلى الحق أن يكون الهند صنفته".
يقول المسعودي في مروج الذهب: "ثم ملك بعده كوش، فأحدث للهند آراء في الديانات على حسب ما رأى من صلاح الوقت، وما يحتمله أهل العصر من التكليف، وخرج عن مذاهب من سلف. وكان في مملكته وعصره سندباد، وله كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بكتاب السندباد".
وفي الأدب الفارسي ظهر كتاب "السندباد نامه" للحكيم الهندي السندباد، وأعاد كتابته ظهيري السمرقندي بنثر فارسي جيد في القرن السادس.
أما عن كتاب "ألف ليلة وليلة"، فهناك مجموعة قصص أضيفت كاملة إلى كتاب "ألف ليلة وليلة"، وهذه القصص ترد في نسخ من دون الأخرى، وكانت إضافتها ليبلغ عدد الليالي الألف، كما يدل على ذلك عنوان الكتاب، وأشهر هذه القصص قصة السندباد.
برج السندباد:
يقول محمد ثابت في كتابه "العالم كما رأيته"، بعد ما خرج من مدينة البصرة في العراق متوجها إلى الزبير: "وفي طريقي إلى الزبير مررت ببقايا برج متهدم يسمونه برج سندباد، وأشار القوم إلى مكان قالوا إنه كان منزل واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، ولذلك سمي أشياعه بالمعتزلة خصوصا أنهم اعتزلوا جانبا، فلم يكونوا مع علي ولا مع خصومه، وفي البصرة كانت واقعة عام 36هـ، وفيها اجتمع إخوان الصفا أصحاب الرسائل المشهورة، ومنها بشار بن برد وسيبويه والحريري والأصمعي والجاحظ، وكثير من أهل الفضل والأدب". وفي كتاب "الهارب إلى الله"، الذي يسجل رحلة المغامر البريطاني عبد الله وليمسون، يذكر أنه رأى بيتا قديما في البصرة، وقالوا له إن هذا هو بيت السندباد.

أفلام كرتونية:
ظهرت عدة أعمال كرتونية عن السندباد، أشهرها: مغامرات سندباد، مسلسل رسوم متحركة ياباني من إخراج فوميو كوروكاوا، ومن إنتاج شركة نيبون أنيميشن ويحوي 52 حلقة. عرض لأول مرة باللغة اليابانية عام 1975 واستمر عرضه حتى نهاية أيلول (سبتمبر) عام 1976م، ثم دبلج إلى العربية، وذاعت شهرته في العالم العربي، وهو مسلسل مغامرات يقوم على القصص القديمة المعروفة في كتاب ألف ليلة وليلة، وفي القصة أن السندباد بحار عربي من البصرة مغامر يطوف العالم، ويواجه المصاعب والأخطار، كما يسافر بجمله في الصحراء. ومن الأعمال الكرتونية الشهيرة فيلم "سندباد: أسطورة البحار السبع"، فيلم رسوم متحركة، صدر في الولايات المتحدة عام 2003.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق