الأمن الاقتصادي

|

بعد نهاية الحرب الباردة بدأت فكرة العولمة في الانتشار، وأصبحت الدول تبحث عن تحقيق التنمية والتعاون مع الدول الأخرى في إطار تكاملي يعكس أن العالم قرية واحدة. وبدأت منظمة التجارة العالميةWorld Trade Organization في أواخر القرن الماضي بعد نجاح الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة "جات" GAAT، وبدأت حينذاك الدول تدخل في تحالفات واتحادات ومجالس وأسواق مشتركة بهدف تحقيق الرخاء والاستقرار لدولهم بعيدا عن العصور التي سادت فيها الحروب والدمار والاستعمار. وقد بدأت فعليا الشركات العالمية في النمو والتوسع والدخول في الأسواق المتقدمة والنامية والأقل نموا، وأصبح الاقتصاد يلعب دورا محوريا في العلاقات وتسييرها. ولكن هذا الأمر ليس كافيا لضمان النيات الحسنة، وفتح المجال لهذه الشركات للتوسع والسيطرة على المنتجات والخدمات، بل قد يتجاوز ذلك إلى السيطرة على بعض مكونات الأمن القومي والمجتمعي، وهنا يجب أن تبدأ الخطورة، عندما يتم السماح لشركات عابرة ومملوكة لدول واقتصاديات قد تخفي أمورا يمكن توظيفها مستقبلا من أجل الإضرار باقتصاد وأمن دول أخرى.
لهذا يمكن أن نقول إن الأمن الاقتصادي جزء مهم من الأمن الوطني ولا يمكن أن يفصل عنه. ويجب أن يظل الهاجس الاقتصادي ملازما للهواجس: الأمني والاجتماعي والصحي والبيئي وضمن خطط الأمن القومي لحماية البلاد من أي محاولات يمكن التخطيط من خلالها لاستنزاف مقدرات الدولة، أو الإضرار بمكانتها والتأثير في مواطنيها. وقد بدأ كثير من دول العالم يأخذ منحى الأمن الاقتصادي ضمن خياراتها للعلاقات الدولية، وأصبحت أداة مهمة يمكن من خلالها توجيه "القوى الناعمة" لغزو الدول والإضرار بأمنها واستقرارها من أجل تحقيق أطماع سياسية غير شريفة.
وجود الشركات العالمية لا شك أنه أداة لنقل الخبرات وتحقيق الاستثمارات الهادفة للنمو، لكن متى ما تجاوزت تلك الاستثمارات أهداف التبادل الاقتصادي والنمو المالي المشروع إلى سيطرة سياسية أو اختراق مجتمعي يؤثر سلبا في الاستقرار المجتمعي والأمن القومي فيجب أن يتم التعامل مع تلك الأنشطة والشركات بطريقة تضمن حقوق الدول وحمايتها من الأخطار المحيطة بها.
في الآونة الأخيرة بدأت تتكشف لنا بعض المؤامرات التي تهدف لزعزعة الأمن الوطني، التي عجز مدبروها عن الوصول إلى أهدافهم بسبب التماسك المجتمعي واللحمة الوطنية، التي استخدمت لها أدوات ووسائل تجارية تهدف للوصول والتأثير في أبناء المجتمع من خلال استخدام قنوات تجارية وأدوات إعلامية، كشفت للجميع وبانت أهدافها. الشركات العابرة للقارات والشركات المسيطرة على منافذ الدول الجوية والبحرية قد تكون من أخطر أدوات الغزو الاقتصادي الممهدة للسيطرة الأمنية على المجتمعات. لذا يجب أن تكون هذه الممارسات ضمن دوائر التفكير التي نناقشها ونتعرف على مخاطرها المحتملة، ومعالجة تلك المخاطر قبل أن تتفاقم نتائجها وتصبح غير قابلة للمعالجة. ولهذا لابد من وضع خطط الأمن الاقتصادي ضمن برامج الأمن الوطني ومنحها القدر الكافي من الاهتمام والرعاية من أجل حماية المجتمع والدولة.

إنشرها