أسوأ من منع الماعون

|
لو سألت سكان وزوار المملكة أين تفضلون صيام شهر رمضان؟ لأجابت الأغلبية الساحقة منهم برغبتهم في أدائه في المملكة، حيث يشعرون أن رمضان في ربوع المملكة هو الأكثر روحانية والأجمل بين دول العالم. ففي رمضان تظهر ملامح وصور الخير الجلية في كل أرجاء هذه الأرض المباركة، فأينما تذهب تجد آثارا واضحة لحلول هذا الشهر الكريم، بدءا بتغير أوقات العمل والالتزام بالصوم ومراعاة غير المسلمين مشاعر الصائمين في أصقاع هذه البلاد الغالية. ومن المظاهر الناصعة والجميلة زيادة حرص الناس على الصلاة في رمضان وتدفق أفواج المصلين إلى المساجد، حيث تعمر المساجد بالمصلين وتزدحم مكة والمدينة بالمعتمرين والزوار من جميع أصقاع الأرض. كما تنتشر مظاهر الإحسان والبر في مختلف المدن والقرى والتجمعات السكانية. ومن أبرز مشاهد الخير انتشار ظاهرة إفطار صائم في كل مكان تقريبا، حيث ينظم أهل الخير في معظم المساجد وعلى رأسها الحرمان الشريفان مشاريع إفطار صائم ينتفع منها زوار الحرمين وكثير من الضعفاء والمساكين والغرباء. ومن المظاهر التي تظهر طيبة الناس ورقة قلوبهم خصوصا صغار السن، الشباب الذين يوزعون وجبات إفطار صائم عند الإشارات المرورية. ينفق أهل الإحسان مبالغ كبيرة لتغطية تكاليف هذه المشاريع، ويتطوع كثير ممن لا يملك المال بتنظيم وتنفيذ هذه المشاريع ويبذلون جهودا يشكرون عليها ولا تقل أهمية عن المنفقين في إنجازها، طلبا للأجر والمثوبة من عند الله. ولهذه المشاريع أيضا آثار حميدة وطيبة في حياة الناس، ولعل من أبرزها إظهار اللحمة والتكاتف بين فئات المجتمع والحرص على مساعدة المحتاجين. (وكلمة المحتاج لا تعني فقط قليل المال فقد تكون في مكان أو في موقف وأنت غني وتحتاج إلى من يساعدك أو يعطيك شربة ماء). وتزيد أعمال الخير من تآلف الشرائح السكانية وتخفف من مظاهر التشاحن بين الناس. كما تساعد هذه المشاريع كثيرا من منخفضي الدخل من العمالة الوافدة وغيرهم وتوفر لهم غذاء جيدا خلال هذا الشهر الكريم ما يدعم أوضاعهم المعيشية ويحسن رفاهيتهم، كما أسهمت مشاريع إفطار الصائمين في تعريف الإسلام السمح دين الرحمة الذي يحث على الإحسان إلى البشر كافة لعديد من غير المسلمين. وعلى الرغم من أن إفطار صائم باب من أبواب إطعام الطعام الذي حث عليه ديننا الحنيف ولا يضر أحدا، إلا أن هناك أصواتا قليلة أخذت تعد إحصاءات بالمبالغ المصروفة على هذه المشاريع، ويضخمون من حجمها مطالبين بالحد من مشاريعه وتحويلها إلى برامج إحسان أخرى طبعا بمواصفات معينة، بدعوى أن هناك إسرافا في كميات الطعام التي تقوم بها هذه المشاريع أو عدم حاجة المستفيدين منها. وعلى هؤلاء أن يدركوا أنه ما نقص مال من صدقة وأن الله سيعوض أهل الخير عن الأموال المنفقة على إفطار الصائمين. وتشهد مسيرة المتبرعين لأعمال الخير من المسلمين وغيرهم بصحة حديث ما نقص مال من صدقة. فهناك من الأسر المشهورة والغنية جدا على مستوى العالم التي تبرعت بمعظم ثرواتها للأعمال الخيرية ومع ذلك لم تتناقص ثرواتهم بل زادت وتضخمت. ومن أبرز الأمثلة في المملكة لرجال الخير الشيخ سليمان الراجحي - جزاه الله خيرا - الذي تبرع بمعظم ثروته لأعمال الخير واستمرت ثروته في النماء والزيادة حتى بلغ قيمة إجمالي أصول مؤسسته الخيرية 60 مليار ريال. ومن أبرز الأمثلة خارج المملكة روكفلر، وبل جيتس، ووارن بافيت وزوكربرج الذين تبرعوا بمعظم ثروتهم للأعمال الخيرية وما زالت ثرواتهم تنمو وتتضخم. إن الدعوات لوقف أو تعطيل إطعام الطعام وفعل الخير فيها إثم ومضرة للمطالبين به وللمجتمع المحلي والعالمي بشكل عام، بل إن التسبب في منع إطعام الآخرين للمحتاج أسوأ من منع الماعون الذي ذمه القرآن الكريم. ومن الحقائق المسلمة شرعية وفضل عمل الخير ولكن إن لم تستطع فعل الخير فلا تقف في طريقه. من جهة أخرى فإن التوقف عن مشاريع إفطار الصائمين لا يعني بالضرورة تحويل الأموال التي تنفق عليها على أبواب البر الأخرى، لأن البخل على هذه المشاريع يعني البخل على أبواب الإحسان الأخرى. وفي المقابل من السهولة ملاحظة أن الحريصين على إفطار الصائمين وإطعام المحتاجين هم أكثر الناس إنفاقا على الخير في كل المجالات. تساعد أعمال الخير الشرائح السكانية الأقل حظا وتنهض بعديد منها ما يسهم في خفض الفوارق بين فئات المجتمع المختلفة ويحسن توزيع الدخول ويزيد السلام الاجتماعي. من ناحية أخرى لا يمكن تجاهل وجود بعض الآثار الجانبية السلبية لبعض أعمال الخير، ولكن فضل وفوائد الأعمال الخيرية يفوق كثيرا هذه الآثار، كما يمكن وبكل سهولة التغلب عليها من خلال تحسين إداراتها. وعموما ياليت المنتقدين لأعمال والمؤسسات الخيرية خصوصا إطعام الطعام يركزون جهودهم على انتقاد مظاهر الإسراف والتفاخر والهياط المنتشرة في كثير من البلدان ومن ضمنها المملكة، التي لو أحصيت ووزعت تكاليفها لأغنت فقراء المسلمين.
إنشرها