المشراق

عبق رمضان في أم القرى

لشهر رمضان الكريم عبقه الخاص في المدن الإسلامية، فالمشاعر الروحانية والإيمانية تزداد في هذا الشهر الكريم، متلازمة مع الأجواء الرمضانية الخاصة. وتزداد هذه المشاعر في أم القرى، مكة المكرمة، البلد الأمين، وأشرف البقاع. وقد كتب عن رمضان في مكة المكرمة عدد من المؤلفين والرحالة، من أشهرهم المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه، وما كتبه معروف لدى الباحثين. وقد جاء بعد ذلك كاتب عاش في مكة وعرف تفاصيلها فكتب عن الشهر الكريم في البلد الأمين، وهو الكاتب أحمد عبد الغفور عطار، واطلعت على مقالتين جميلتين له في هذا الموضوع كتبهما عام 1401هـ، إحداها خاصة عن المسحراتي في مكة، والثانية عن رمضان في مكة، وسنجتزئ للقراء الكرام فقرات منوعة مما كتبه.
قال أحمد عبد الغفور عطار عن المسحراتي: "كانوا يقولون في مكة المكرمة ـــ حرسها الله ـــ وفي مدن الحجاز الأخرى المسحر ـــ بصيغة اسم الفاعل ـــ وفي مصر: المسحراتي، ويجوز أن يقال مثل ذلك في أقطار العروبة، ويقصدون بالمسحر أو المسحراتي: الرجل الذي يطوف بالبيوت في المدن والقرى في ليالي رمضان في موعد السحور يوقظ النائمين ليتناولوا السحور، وهو الطعام الذي يأكلونه قبيل الفجر ثم يمسكون عن كل طعام وشراب حتى تغرب الشمس. وكان لكل حي في مكة المكرمة مسحره، فإذا كان الحي كبيرا مثل حي المسفلة كان له غير واحد من المسحرين. وكان المسحر يعرف أسماء أرباب الأسر وأسماء أطفال الأسر الكبيرة الموسرة المشهورة، وينادي رب كل أسرة باسمه أو كنيته، وما كان في عصر أبي وأيامنا الأولى أحد ينادي الآخر بلقبه، بل كان أدب اللياقة في المجتمع كله يقضي بألا ينادى أحد باسمه مجردا، بل لا بد أن يسبق الاسم عند النداء بألقاب التشريف والتكريم أو بالكنية التي تشعر بالمديح.
وكان المسحر ينادي الناس بكناهم أو بها وبالأسماء مسبوقة بلقب كريم، ولا يقتصر الأمر على النداء، وإنما يتغنى المسحر باسم المنادى وكنيته ولقبه، مضيفا في غنائه على المنادى صفات حميدة كريمة. ولم يكن المسحر يغفل الأطفال، بل كان يحتفي بهم، ويذكرهم بأسمائهم موصوفة بما يسرهم ويسر والديهم، ويجيبونه بأنهم صحوا للسحور.. ولم يكن يقتصر على هذا "التسحير" بل يقول من الكلم الطيب ما يعن له، ويبدأ في التهنئة بصوته الجميل منذ ليلة السابع والعشرين. ويحمل المسحر طبلا يقرعه فيساوق غناؤه صوت طبله، ومنذ نهار السابع والعشرين وما يبقى من ليالي رمضان وأنهره يجمع "العيدية" من الناس، إما أن يراجعهم في أماكن أعمالهم أو بيوتهم، يعطيه كل بيت بحسب قدرته المالية ومكانته الاجتماعية، كما كان بعض الناس يعطيه زكاة الفطر قبيل فجر يوم العيد.
وأذكر المسحر في أواخر عهد الشريف الملك الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق وكنت طفلا صغيرا، كما أذكره في أوائل حكم الملك عبد العزيز آل سعود بعد افتتاحه الحجاز، وبقي التسحير حتى عام 1360هــ في الشارع الذي أسكنه في حينا حي المسفلة، ثم لم أعد أسمع المسحر. ولم تمنعه السلطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنها كانت تمنع الطبل إلا طبل المسحرين فقد سكتت عنه، وأخذ المسحرون يختفون من أحيائهم بالتدريج حتى كان مسحرو حي المسفلة آخرهم اختفاء، وكان سببه الموت، إذ كانوا من الشيوخ... وكان من الناس في مكة والمدينة - حرسهما الله ـــ وفي مدن الحجاز من يؤخرون السحور إلى أن يزاحموا به ما قبيل الفجر بقليل تأسيا بصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام.. وينتظر أكثر المتسحرين آذان الفجر ليؤدوا صلاته جماعة إما في بيوتهم أو في مساجد الحي أو في المسجد الحرام، ثم يعودون إلى النوم حتى يحين وقت الخروج إلى العمل.. وكان أهل مكة المكرمة يحرصون على أداء صلواتهم بالمسجد الحرام وخاصة صلاة الفجر في رمضان أو أيام الجمع إلى ما قبل توسعة مكة... وأما السحور فكان أهل مكة جميعا يغنون به فيعددون ألوانه، فتحوي مائدته لحما وأرزا وخبزا وخضراوات وفاكهة وحلوى، وكنا نسرف في اختزان الطعام والماء حتى نستطيع مقاومة الجوع والعطش.
أما عن رمضان في مكة المكرمة فيقول عطار: "أظهر ما يكون من أثر الصوم في مجتمعات الإسلام من أثر على المجتمع المكي والمجتمع المدني، لأنهما يقعان في بلد حرام، ففي مكة بيت الله، وفي المدينة مسجد رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، وما كانت الدكاكين فيهما تفتح في الصباح إلا قرب الظهر، إلا دكاكين اللحوم والخضراوات فكانت تفتح بعد مضي ثلث النهار. وعندما كانت المدارس في الحجاز على فترتين: فترة من الصباح إلى الظهر، وينصرف التلامذة إلى الغداء ـــ بالدال المهملة ـــ ثم يعودون لينصرفوا إلى بيوتهم بعد صلاة العصر كانت الدراسة في رمضان تختلف عن شهور الفطر، فقد كانت الدراسة من الساعة الثالثة صباحا إلى الساعة الثامنة بعد الظهر ـــ بالتوقيت الغروبي فما كنا نعرف غيره ـــ وهذا بسبب الصوم تخفيفا على المدرسين والتلامذة البالغين. وإكراما لرمضان ما كان باعة اللوز والحمص والبليلة والمقلية يحضرون إلى المدارس ليبيعوا التلامذة ما لديهم من هذه الأصناف، فكان الأطفال من التلامذة يحرمونها في الفسح، وما كانوا بساخطين، بل كانوا راضين، بل كانوا سعداء بهذا المنع، لأنهم يرون أنفسهم أكفاء الكبار، وأهلا للصبر والاحتمال. وكانت أسواق اللحم والخضراوات مزدحمة يستعدون لمائدة الإفطار بما لذ وطاب من الأشربة والأطعمة. وقسم أهل مدن الحجاز شهر رمضان أثلاثا: الثلث الأول للجزارين، والثلث الثاني للقماشين، والثلث الثالث للخياطين، وإن كانت سوق الجزارين رائجة طول الشهر كله. وحقا كان الثلث الثاني لباعة الأقمشة، فتبدأ سوقهم من اليوم السابع لرمضان، فإذا جاءت ليلة الخامس والعشرين بدأت من جديد سوق القماشين وباعة "الكوافي" و"الأحاريم" وباعة "العقل". والكوافي، جمع كفية، وأصلها كوفية، أسقطوا في النطق حرف المد، فصارت كفية (بضم الكاف وكسر الفاء وتشديد الياء المفتوحة) وهي غطاء الرأس على أنواع: نوع يصنعه الجاويون (الإندونيسيون) وهو قماش أبيض ناصع على شكل دائرة عليه ما يشبه القبة، وتغسل بالنشا ثم تكوى لتبقى قائمة على الرأس. فلابسها من الشبان يحمل على كتفيه قطعة قماش مربعة مطوية على شكل مستطيل، يسبل نصفه إلى الخلف على الظهر، ونصفه الآخر إلى الأمام على الصدر، وهذه القطعة تسمى الإحرام، ويكون مطرزا تارة، وأبيض دون تطريز، فإذا كان مطرزا كان من حرير طبيعي أو صناعي، وأما غير المطرز فيكون من حرير أو من قطن، ومن الرجال من كان يعتم بالإحرام المطرز. وهناك نوع من الكفية يصنعه نساء مكة تعلمنه من نساء بخارى، وهو خيوط مبرومة متشابكة طولا وعرضا، وتوضع هذه الكفية على الرأس، ويبسط عليها الإحرام الأبيض الناصع المكوي. والنوع الآخر يسمى الكفية المقصصة، وهي غطاء الرأس مكون من ألف قطعة صغيرة يخاط بعضها إلى بعض، ويتكون من قطعتين: قطعة دائرية تسمى "الدائرة" والأخرى قرص دائري كالبدر، إلا أنه مفرغ الوسط على شكل دائرة يختلف قطرها، ويوضع على قالب من الصفيح مستدير، وينسج على هذه الدائرة التي بوسط القرص بالحرير الطبيعي الأبيض قرصا آخر مزخرفا رائع المنظر، ويكون القرص الأكبر هالة على القرص الأبيض الناصع، ويخاط القرص على الدائر ثم يوضع الدائر وقرصه على قالب متقن الصنع من القش مستورد من بلاد جاوا "إندونيسيا" بعد أن يلطخ بالغرا أو الصمغ، ثم توضع الكفية على هذا القالب فتثبت عليه، فإذا جف الغرا خيطت بداخله بطانة من نسج الحرير الطبيعي أو الصناعي ثم يخاط من البطانة شريحة طويلة من جلد لئلا يصيب البطانة العرق، ثم يلف على الدائر عمامة من نسج خفيف يقال له: الشاش. وكان من مكة أناس متخصصون برعوا في لف هذه... الكفية "المقصصة" التي تتكون من ألف قطعة صغيرة، لم تكن هذه القطع من لون واحد، بل كانت تتكون من أربعة ألوان، هي الأحمر والأصفر والأخضر والأسود، وكان هناك نوع تتكون قطعة الألف من لونين: أبيض وأسود. وكانت الكفية نفسها نوعين بالنسبة للنسج المقصوص، نوع من نسج الطبيعي، وآخر من القطن، وطبيعي أن يكون ما صنع من الحرير أغلى. وما كانت هذه العمامة الألفية لتلبس إلا على جبة، وكانت زي الحكام والمفتين والقضاة وعلية الأمة.
وأما في الأعياد في أيام حكم الهاشميين وأوائل حكم الملك عبد العزيز بن سعود فكان الناس حتى الأطفال يلبسون العمائم الألفية حتى زالت هي والجبة من المجتمع السعودي، وإن كانت الحرفة باقية للحجاج، إذ لا يزال كثير من حجاج إندونيسيا ونيجيريا والسنغال يرون الحصول على عمامة ألفية أمارة على أداء مناسك الحج والعمرة والزيارة، يلبسونها في بلادهم في صلاة الجمعة والعيدين. وبعد أن دالت دولة العمامة وسادت دولة العباءة في هذه الأيام تغيرت عادات في مجتمع الحجاز، إلا أن عادات كثيرة ما تزال كما كانت، وتبع العباءة العقال، وهو حبل من الحرير أو القطن وأغلبه من الصوف، يوضع على "الإحرام" الذي يغطي الرأس ويسبل على جانبيه ليثبته، ولعله مأخوذ من عقال البعير حتى تطور فصار عقالا يأخذ مكانه من رأس الرجال.
وكان سكان مدن الحجاز مترفين يتفاوتون في الترف، وهو تفاوت يقع بين الأغنياء والفقراء، وإن كان فقراء مدن الحجاز مترفين، فأكمام الثياب والسراويل مطرزة بالحرير، وكذلك "تكك" السراويل. وكانت ليالي رمضان وهاجة ساطعة بالأنوار مع أنه في تلك الأيام لم تكن كهرباء، ومع هذا كانت المصابيح قوية وهاجة.
وإذا كان أثر رمضان بارزا في مجتمع مكة وكل مدن الحجاز نهارا حيث لا تشتغل المطاعم والمقاهي، ولا يغادر الناس بيوتهم لشراء حاجات المطبخ من لحوم وخضراوات وفواكه إلا بعد أن يمضي من النهار ثلثه، لأنهم يسهرون حتى تسحروا ثم ينتظرون أذان الفجر ثم يؤدون صلاتهم، ثم ينامون، ثم يستيقظون لشراء حاجات بيوتهم، ثم يمضي أصحاب الوظائف والأعمال إلى أعمالهم فإن هذا الأثر مشهود في كل أقطار المسلمين، فلا ترى بها مطاعم ومقاهي مفتوحة نهارا، وإن كانت مدن الحجاز تسهر ليلا.. أما ربات البيوت فيمضين بعد الظهر إلى المطبخ يعددن مائدة رمضان الحافلة كالفول وغيره. وأهل مدن الحجاز يفطرون على التمر والماء، إلا أهل مكة فمع تمرهم ماء زمزم، ثم ينهضون إلى الصلاة، يؤم الأسرة كبيرها، ثم ينفلتون إلى المائدة ثم إلى الشاي.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق